طلاق بين أمريكا وأوروبا

00:29 صباحا
قراءة 3 دقائق

هناك مسار ولد في أمريكا، لم يعد أحد في استطاعته أن ينكره، إنه مسار الطلاق بين أوروبا وأمريكا، وهو مسار ليس هيّناً ولا حدثاً سيقع خلال فترة قصيرة من الزمن، لكن بوادره تظهر كل يوم في إدارة البيت الأبيض.
النزعة «الترامبية»، هي عبارة عن مزيج من القومية الاقتصادية والحماية التجارية الصارمة، تُطبق عبر المواجهة، سواء مع الحلفاء أو الخصوم. وتستند إلى الاعتقاد بأن المصلحة الذاتية تأتي في المقام الأول، وأن أمريكا يمكنها التصرف دون عواقب، وكثير من التقارير يشير إلى أن رؤية ترامب ل«فجر عصر جديد حيث تعتمد الدول على نفسها»، هي رؤية للتخلي عن النظام الدولي القديم.
وفي هذا يولد تحوّل استراتيجي حقيقي، إذ ينقلب ترامب على النظام الذي أرسته بلاده قبل عقود من الزمن، وتحديداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فعلى الرغم من ميل الولايات المتحدة تاريخياً إلى العزلة، إلا أنها عملت منذ فترة طويلة على موازنة هذا الاتجاه بالالتزام بالأمن العالمي والتجارة الحرة. لكننا نشهد اليوم نقطة تحول في التاريخ، وكلما طالت مدة إنكار هذه التجربة السياسية الخطرة التي تجري في أمريكا، قلّ الوقت المتاح للأوروبيين للرد. وعلى هذا الأساس تعيش أوروبا في مأزق كبير مع إعلان الطلاق بين أمريكا الترامبية وأوروبا النيوليبرالية، بعد أن وصف ترامب قادة أوروبا بأنهم ضعفاء وغير أكفاء وبلا شعبية، وأنهم مستبدون ويمنعون الأحزاب القومية من تولي الحكم، ويقيدون حرياتهم، ويفتحون الأبواب للمهاجرين لمحو الهوية الأوروبية.
وفي مثل هذه التصريحات يتكرس النهج الترامبي الحازم في اتجاه تحقيق الطلاق بين بروكسل وواشنطن، وقد بدأت بوادر هذا الانفصال منذ العهدة الأولى عندما رغب ترامب في إيقاف تمويل حلف الناتو ومطالبته الدول الأوروبية بدفع تكاليف الحماية التي توفرها لهم أمريكا. والحقيقة إن ترامب في عهدته الثانية رغب في التخلص من حلف الناتو وفرضَ على الأوروبيين رفع مساهماتهم في تمويل الحلف حتى يبقى قائماً، وهو ما التزمت به الدول الأوروبية خوفاً من فقدان الحماية الأمريكية. ومن وجهة نظر أوروبية محضة، فإن أبرز ما يثير الانتباه في العقيدة الأمنية الأمريكية الجديدة ليس كونها تُميط اللثام عن جوانب جديدة كانت مجهولة، وإنما بالعكس، فهي تؤسس بشكل رسمي لا غبار عليه، لما كان يُهمس خلف الأبواب المغلقة أو في بعض الخطابات الحماسية لبعض كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
وبات من الواضح تماماً أن واشنطن لا ترغب في أوروبا قوية وموحدة وإنما في كيان ضعيف مشتت يسهل التعامل مع دوله المجزأة بما يخدم مصالح واشنطن. لطالما ادعت إدارة ترامب أن هدفها هو الدفاع عن أوروبا بجعلها فعالة وقادرة على تحمل المزيد من المسؤولية. وأظهرت أن هدف الولايات المتحدة صراحةً هو زرع بذور التفرقة بين دول الاتحاد الأوروبي، بتقوية الحركات القومية، وبالتالي منع القارة العجوز من أن تصبح قوة جيوسياسية قادرة على منافسة الولايات المتحدة، رغم قوتها الاقتصادية الكبيرة وحجم سكانها البالغ نحو 500 مليون نسمة.
الأوروبيون يدركون جيداً أن نهج ترامب، لن يتوقف حتى وإن خرج هو من الرئاسة في نهاية عهدته الثانية، فإن الأمر بات غير مقبول لأنه لا يمكن أن يكون مصير أوروبا مرتبطاً بمن يسكن البيت الأبيض، وعليه جاءت الردود الأوروبية متسارعة ورافضة للخطوات الأمريكية، ولكنها مقرّة بأن حبال الود قد انقطعت فعلياً بين أمريكا وأوروبا. إذ رد المستشار الألماني بأن أوروبا خرجت من تحت الهيمنة الأمريكية، قائلاً إن أوروبا ستعتمد على قدراتها وقوتها. من جانبه قال عضو مجلس الاتحاد الروسي أليكسي بوشكوف، إن تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول نهاية حقبة Pax Americana بالنسبة لأوروبا تمثل اعترافاً جدياً بتحول جيوسياسي كبير. ففي وقت سابق، أعلن ميرتس، في سياق تغير مسار السياسة الخارجية الأمريكية، ضرورة دفاع أوروبا عن مصالحها الخاصة، معلناً أن «عقود السلام الأمريكي قد انتهت إلى حد كبير بالنسبة لنا في ألمانيا».
وكتب بوشكوف على قناته في تليغرام: «أعلن المستشار الألماني وزعيم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في مؤتمر الحزب بميونخ، أن عهد السلام الأمريكي قد ولّى بالنسبة لأوروبا. وهذا اعتراف جاد بتحوّلٍ جيوسياسي كبير، لا يزال البعض يشكّك فيه، ولكنه كان يلوح في الأفق منذ فترة.
وقد أزفت أولى بوادر هذا التحوّل مع انتخاب دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية». ووفقاً للسيناتور الروسي، أكد ترامب في ذلك الوقت أنه لا يدعم أوروبا التي تعتمد على الولايات المتحدة في حمايتها، «ولم يتردد في إظهار موقفه للقادة الأوروبيين، بدءاً من ميركل». وأضاف السيناتور أن جو بايدن حاول تطمين النخبة الأوروبية في مؤتمر ميونخ، ووعد بالعودة إلى الأيام الخوالي، لكن ترامب سرعان ما ألغى وعود سلفه.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"