تشير العديد من البحوث والدراسات الاكاديمية المختصة في التربية الحديثة، إلى أهمية الأنشطة الفنية في تنمية عقل الطفل وتطوير مهاراته، من خلال مساهمتها بشكل ملموس في تعزيز القدرات المعرفية والذهنية، عبر ما تتطلبه من تركيز واستحضار وتمثيل الشخصيات وتفكيك الرموز، وبحسب البريطاني «كين روبنسون»، المختص التربوي في مجال تنمية الإبداع والابتكار والقدرات، فإن للفنون تأثيراً عميقاً في نمو الخيال والذاكرة والتفكير النقدي لدى الأجيال الصغيرة، لما توفره من بيئة خبراتية تفاعلية تختلف جوهرياً عن الاستهلاك السمعي البصري التقليدي.
هذا الرأي الاكاديمي يكتسب دلالته الأعمق حين نتأمل المسرح الموجه للطفل، فالمسرح تجربة تُعاش، وحوار غير مباشر بين الخيال والقيم، بين الصورة والمعنى، وهنا تكمن قيمة مسرح الطفل باعتباره واحداً من أكثر الفنون حساسية وتأثيراً لأنه يتعامل مع عقل في طور التشكل، وذهنية مفتوحة على البحث والاكتشاف.
نحن نعيش اليوم مرحلة تتسع فيها هيمنة شاشات الأجهزة الإلكترونية على عالم الصغار، ودور المسرح يأتي كنافذة تحرر خيال الطفل من دوامة المشاهدة السطحية، ليدخله في عالم الحركة والمشاركة، فحين يشاهد الطفل عرضاً مسرحياً أو يشارك فيه، فإنه يتحرك ويتفاعل ويتخيل بوعي، مبتعداً عن العزلة الرقمية التي تحد من قدرته على التواصل والإبداع، وهنا يخلق المسرح حالة توازن بين العالم الافتراضي والواقع الفعلي الإنساني.
كما أن وقوف الطفل على الخشبة، أو مشاركته في حبكة درامية، تنقله فعلياً من موقع المتلقي السلبي إلى الفاعل المبدع، وتدربه على مهارات التواصل والإصغاء والثقة بالنفس، فالنص المسرحي والحوار وسينوغرافيا العرض، كلها عناصر تندمج لصياغة تجربة تعليمية وجدانية متكاملة، يتعلم الطفل من خلالها كيف يرى العالم بعينين مختلفتين، وكيف يستبدل القول بالفعل، والمشاهدة بالفهم.
في هذا السياق، فقد أولت دولة الإمارات اهتماماً كبيراً بهذا الجانب، فأنشأت فعاليات متخصصة موجهة للطفل، مثل مسرح الإمارات للطفل، ومهرجان المسرح المدرسي الذي يشجع الطلاب على خوض تجربة التمثيل والإخراج منذ مراحل مبكرة، إلى جانب فعاليات المسرح الكشفي، وغيرها من الورش الفنية والتدريبة، التي تجمع بين الفن والانضباط والروح الجماعية، لتسهم هذه المشاريع الفنية في بناء بيئة تربوية تدرك أن المسرح رافد أساسي في تنمية الإنسان وتعزيز وعيه الاجتماعي.
مما لا شك فيه أن الاهتمام بمسرح الطفل، هو فعلياً خطوة استراتيجية في إعداد جيل المستقبل، فالتنشئة الفكرية تبدأ من الخشبة قبل الفصل الدراسي، والاستثمار في الخيال والثقافة الإبداعية للطفل هو استثمار في عقل الأمة ومكانتها الحضارية، وعندما نُعد جيلاً يفكر ويتخيل ويعبّر، نكون قد أعددنا جيلاً قادراً على صناعة الغد.

[email protected]