نور المحمود

توقف.. توقف عن الكلام.. انزل قليلاً وأنصت.
من نسميهم جيل «زد» وجيل «ألفا» والآتي بعدهما «بيتا».. يبتعدون كل يوم أكثر عن كل الأجيال التي سبقتهم، لماذا؟
هم ليسوا غرباء بل نحن من نتركهم ينساقون خلف كل الأمواج التي تعلو وترتفع بهم لتسحبهم نحو شواطئ بعيدة ونحن نعجز عن السباحة خلفهم، وكأننا نترك غرباء يسحبونهم من داخل بيوتنا ونحن نكتفي بالصراخ وإبداء الامتعاض والملاحظات.
ألا يلاحظ «الكبار» أن أصواتهم لا تصل إلى مسامع «الصغار» لأسباب مهمة تستحق التوقف عندها لنفهم ونستوعب ونصل إلى نقاط التقاء مهمة وضرورية؟
مشكلة كثير من أهالي الأجيال الشابة والجديدة هذه، أنهم يشعرون بغربة وهم يتحدثون مع أبنائهم، غربة لم يعرفوها مع آبائهم رغم وجود فوارق طبيعية بين كل جيل وآخر، بحكم تطور الزمن، لكن المسافات أصبحت كبيرة اليوم، فهل هي سرعة التطور وأدوات العصر الحديث التي تتطلب من الأهالي سعة معرفة بالتكنولوجيا الحديثة وصفحات التواصل وإيقاع الحياة وحتى إيقاع الأغاني.. بل السرعة والاختصار والإيجاز في كل شيء حتى في لغة الكتابة، ووصلنا إلى اختصار الصور والفيديوهات والذكريات.. ووصلنا إلى تصوير أفلام بل مسلسلات لا تتجاوز مدة الحلقة الثلاث دقائق بل منها ما يصل إلى الدقيقة ونصف دقيقة!.
كان أسرع إيقاع في سنوات ليست ببعيدة، هو إيقاع البوب والهيب هوب، ومسلسلات ال 15 وثماني حلقات، وكان أصغر كتاب هو كتاب الجيب.. المسافات تكبر، فهل الحل بالصراخ كي يصل صوت «الكبار» إلى «الصغار»؟ طبعاً لا، هؤلاء الصغار هم شباب لديهم الكثير من الأفكار والكثير من عزة النفس والإيمان بأنهم على صواب وأن آباءهم على خطأ، وأن مقولة «أنتم لا تفهموننا» ما زالت صالحة وجاهزة للتطبيق مهما تقلب الزمن وتغيرت الأجيال.
لا نملك أن نغيّر الحياة لنلغي المسافات بين الأجيال، ولا نملك أن نجعل الشباب والأطفال يفكرون بعقولنا ويجتازون مراحلهم العمرية ليقفوا في أماكننا وينظرون إلى الحياة وأنفسهم من منظورنا ووفق خبراتنا والإيقاع الذي نشأنا عليه.. إنما نملك أن نقف قليلاً وننصت كثيراً، أن ننزل بتواضع وبتفهّم لنصل إلى مستوى التلاقي مع أفكارهم ونستوعب طيشهم واندفاعهم وحماستهم وسرعتهم وتسرعهم.. نصل إليهم ومن هناك نبدأ في الحوار، نتحدث ونسمع، نتقبّل النقاش ونتقبّل أن ما يقولونه ويفكرون فيه ليس «غباء» ولا ناجماً عن جهل، بل هي أفكار قد تحتاج إلى توجيه وتعديل ولكنها بكل الأحوال تُحترم وتحتاج إلى من يصدقها ويؤمن بها ويمنحها فرصة الخروج إلى النور بشكل صحيح، يستحقون منا تصحيح المسار، ويستحقون منا أن نتوقف عن الكلام لنفسح لهم المجال ليقولوا ويثبتوا لنا أنهم يملكون القدرة وأنهم يستطيعون تحقيق الكثير.

[email protected]