يقول البدو عندنا «ضربتان في الرأس.. توجعان»، وكانت ضربة فيروز قبل شهور في رحيل ابنها زياد، الذي، ربما عرفناه، أكثر، في رحيله وليس في حضوره، فقد طغت أو غطّت عليه حياته الحرّة بكل معنى الكلمة، بحيث أصبح لا يُرى إلّا زياد شارع الحمرا في بيروت، وزياد العبثي، المتمرّد، المشاغب، وزياد الذي كسر قانون الرحابنة الموسيقي، وجعل الكلام اليومي العادي أغنية وموسيقى.
أمس الأول، كانت الضربة الثانية لرأس فيروز في ابنها هلي، الذي كان يعاني مرضاً جسدياً إعاقياً ألزمه بيت أمّه وأبيه على كرسي متحرك، وكان بالنسبة إلى فيروز ملاك البيت وهي تخبّئ ابنها المريض في صمتها ونحولها الذي يصبح وتراً مشدوداً إلى كمنجة.. حين تغنّي.
أكتب هنا عن فيروز مؤلفة الأغاني، وهي المرّة الأولى التي يعرف فيها القارئ أنها كاتبة كلمات أغنية «سَلّم لي عليه»، وفي حدود معرفة الملايين بالسيدة جارة القمر أنها كانت تغني فقط، وتلعب أدواراً على المسرح تشبهها وتشبه روحها: من بيّاعة الخواتم، إلى الصبية التي اخترعت قطاراً وهمياً في ضيعة ريفية لبنانية، إلى راكب في البوسطة وهي تصعد إلى تنّورين.
تلك هي فيروز في حدود علاقتنا الثقافية بها، من مُرتّلة للنصوص الجبرانية الكنسية إلى مغنية القدس، ودمشق، ومصر وعمّان، ومن بنت الجيران إلى سفيرة إلى النجوم.
هذه المرّة، أعرف شخصياً على الأقل أن كلمات «سلّم لي عليه» هي لفيروز، وكنت قبل ذلك أحسب أن كاتبها هو الشاعر جوزيف حرب الذي وضع لها أجمل قصائد الشعر الشعبي اللبناني: «لمّا عَ الباب بنتودّع»، «أبواب أبواب شي غُرْب شي أصحاب»، «ورقة الأصفر ذهب أيلول»، وهي شعر مُصَفّى بمنخل حرير على يد شاعر عمودي، تفعيلي، يشبه فيروز هو الآخر في صمته الذي يشبه مغارة:.. نصف ضوء، نصف عتمة.
«سلم لي عليه» كلمات أقل من عادية، تلقائية، ومفروطة مثل حَبّ الرمان في إناء من خزف، ولكن زياد، ذلك الزياد المجنون الخارق للعادة الموسيقية، حوّل حبيبات الرمّان تلك إلى حصى من الزمرّد، وصار للّامعنى معنى، وللكلمة العادية بهجة.
لماذا لم تكتب، أو لماذا لم تواصل فيروز كتابة كلمات أو كتابة شعر من هذا النوع الشفاف الرقيق والأنيق في الوقت نفسه؟ ببساطة لأنّها شاعرة من نوع آخر مكتفية تماماً بذاتها، هي شاعرة الأغنية الشعبية اللبنانية، وشاعرة المسرح الغنائي، وشاعرة النحول الذي يتحوّل إلى قصب وأوتار.
الآن، اكتملت دائرة حزن المرأة التي أهدتنا صوتها الرائع، ولطالما سلّمت علينا، فيما ستبقى وحدها في البيت.. «خلّيك بالبيت».