هل يمكن أن يُتَّهَم الإنسان لأنه ناجح؟ وهل يمكن أن تتحوّل الدول، أو النخب، أو حتى المجتمعات، إلى موضع اتهام لمجرّد أنها حققت نجاحاً واضحاً؟ ومتى أصبح النجاح تهمة، بدل أن يكون حافزاً، أو نموذجاً يُحتذى، أو دافعاً لمزيد من التقدّم؟
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث فعلياً في إقليمنا، حيث لم يعد النجاح مكافأة مستحقة، بل عبئاً يُحمَّل على كتفي صاحبه. فالناجح يُطالَب يومياً بتبرير إنجازه، والدفاع عن تعبه، وكأنه ارتكب ذنباً لا فضيلة، فيُهدر جزءاً من طاقته لا في البناء، بل في صدّ الاتهام.
هذه الظاهرة تتجلّى بوضوح في التجربة الإماراتية، دولة بلغت مراتب عالمية متقدمة، وتصدّرت مئات المؤشرات الدولية، حتى بات النجاح رديفاً لاسمها. غير أن هذا النجاح، بدل أن يُقرأ بوصفه تجربة ملهمة، تحوّل لدى البعض إلى هدف للتشكيك والهجوم، ظنّاً أن التقليل منه قد يبطئ مسيرته أو يحدّ من أثره.
وحين تنجح دولة في بناء اقتصاد متنوع، ومؤسسات فاعلة، وإدارة رشيدة، فإنها لا تُحرج منافسيها فحسب، بل تُسقط ذرائع مزمنة استُخدمت طويلاً لتبرير التخلف، من «شح الموارد» إلى «تعقيد الجغرافيا»، وصولاً إلى «قهر التاريخ».
اقتصادياً، يصبح النجاح أكثر استفزازاً حين يُترجم إلى أرقام ومؤشرات: نمو مستدام، وتنويع في مصادر الدخل، واستقرار مالي، وتنافسية عالمية. عندها، لا يعود الهجوم مسألة رأي، بل يتحوّل إلى محاولة تشكيك منهجية، لأن الأرقام لا تُجادَل، لكنها تُقلق.
كيف يمكن لدولة الإمارات، في خمسة عقود ونصف العقد، أن تصبح سابع أقوى اقتصادات العالم، متقدمة على عشرات الدول العريقة شرقاً وغرباً؟ وكيف نجحت، في أقل من عقدين، في أن تكون الأولى عالمياً في 280 مؤشراً، ولديها أكبر أصول مصرفية في الشرق الأوسط يصل حجمها الى 1.5 تريليون دولار، وباتت مركزاً مالياً عالمياً للطيران والسياحة والخدمات، ووجهة لرجال الأعمال والمستثمرين، ولكل الباحين عن رغد العيش، والحياة الآمنة الكريمة.
وكيف استطاعت دولة ناشئة أن تنتقل من الصحراء إلى الفضاء بهذه السرعة، وأن توظّف مواردها النفطية باقتدار، فتُحوّل أكثر من 78% من اقتصادها بعيداً عن النفط، وتبني أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، بأصول تتجاوز 3.4 تريليون دولار، وبعوائد تفوق النفط ذاته؟ وكيف تجاوزت تجارتها الخارجية حاجز التريليون دولار، لتصبح - مع إضافة تجارة الخدمات - شريكاً رئيسياً للدول الصناعية والناشئة على حد سواء بأرقام تصل إلى تريليوني دولار؟
هل يجوز أن يتحوّل هذا النجاح إلى تهمة، فقط لأنه قائم على الاجتهاد والابتكار، والانشغال اليومي بمعركة التنمية والبناء؟ أم كان المطلوب أن تنزلق الدولة إلى مستنقعات الفساد، والبيروقراطية، والمحسوبية، وهي الآفات التي أنهكت مجتمعات المنطقة وعمّقت الفقر وأعاقت التقدّم؟
علّمنا الواقع أن التاريخ السياسي والاقتصادي لا يُكتب بالضجيج، بل بالنتائج. ومن اختار أن يبني دولة، لا يتوقّف عند من اختار أن يبني خطاباً. فالنجاح، مهما حُورب، يبقى أكثر الوقائع إزعاجاً للفشل، وأكثرها دواماً.
وتمضي الإمارات منشغلة في ميادين البناء وورش العمل، والأهم أنها مستمرة في بناء الإنسان بوصفه عمادها الأول، وستبقى على هذا النهج لأنه الطريق الأقصر والأكثر أماناً لتحقيق الازدهار، والأفضل للمجتمع، وللتنمية الشاملة، وللمستقبل الذي لا يكون إلا حليفاً للمجتهدين.
ومن ينظر إلى التجربة الإماراتية التنموية بقراءة متأنية ومتوازنة، سيدرك أن هناك قيادة عملت منذ التأسيس بجهد ومثابرة على بناء نموذج أصبح اسمه مرادفاً للنجاح، ليس في إقليمنا فحسب، بل على مستوى العالم، وأن هناك فرق عمل وصلت الليل بالنهار لتجاوز السقف العالمي، وهو إنجاز يُحسب لشعب الإمارات، مواطنين ومقيمين، الذين تفاعلوا واجتهدوا وقدّموا الكثير لتبقى الدولة في الصدارة.
والحقيقة التي يجدر التوقّف عندها أن من تعلّم تسلّق الجبال لا يلتفت إلى من يقذف الحجارة من السفوح، فهو ماضٍ إلى قمم أعلى، ونجاحات أوسع، غير معنيّ بضجيج العجز ولا بمرارة الفشل.
الإمارات.. عندما يتحوّل النجاح إلى تُهمة
12 يناير 2026 00:26 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 يناير 00:26 2026
شارك