حين تأسست دولة الإمارات العربية المتحدة في مطلع سبعينيات القرن الماضي، كانت المنطقة العربية تعيش ذروة الحراك القومي والفكري والسياسي، وكان منسوب الوعي مرتفعاً، والنقاشات الكبرى حول الإنسان، والحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية في أوجها. لم تولد الإمارات في فراغ تاريخي، بل تشكّلت رؤيتها في قلب ذلك المخاض الفكري، فتأثرت به من دون أن تنساق خلف شعاراته، واستوعبته من دون أن تقع في أسر أيديولوجياته.
منذ البدايات، اختارت الإمارات أن تجعل الإنسان محور مشروعها الوطني: حريته، كرامته، جودة حياته، ورغد عيشه. ومن هذا المنطلق، ربطت أمنها القومي بالتنمية الشاملة، لا بالعسكرة، وبالاستقرار المجتمعي لا بالاستقطاب السياسي. فكان الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية للأمن، داخل الدولة وخارجها، ولاسيما في محيطها العربي.
هذه الرؤية لم تكن ظرفية أو آنيّة، بل تحوّلت مع الزمن إلى نهج راسخ وإرث سياسي وأخلاقي، اتسم بالحكمة والاتزان والانفتاح على العالم، وبالقدرة على قراءة المستقبل واستشراف التحولات قبل وقوعها. وكما قيل يوماً إن الحكمة يمانية، أصبح يُقال اليوم – عن حق – إن للحكمة عنواناً إماراتياً.
* أولاً -الإنسان كمرتكز للأمن القومي:
في وقتٍ ربطت فيه دول كثيرة أمنها القومي بالقوة الصلبة وحدها، أدركت الإمارات مبكراً أن الأمن الحقيقي يبدأ من الإنسان: تعليمه، صحته، استقراره النفسي، وشعوره بالانتماء. فالدولة التي يشعر مواطنها بالأمان والكرامة هي دولة محصّنة من الداخل، وقادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها الخارجي.
هذا الفهم العميق هو ما جعل التنمية في الإمارات شاملة ومتوازنة، لا تُقصي فئة، ولا تُضحّي بالحاضر من أجل المستقبل، ولا بالمستقبل على حساب الإنسان. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا النهج إلى نموذج عملي أثبت قدرته على الصمود في عالم مضطرب.
* ثانياً - الحكمة والاتزان والانفتاح على العالم:
اتسمت الرؤية الإماراتية منذ نشأتها بالاعتدال والانفتاح، وبناء العلاقات على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيداً عن الاستقطابات الحادة أو المغامرات غير المحسوبة. فكانت السياسة الخارجية امتداداً طبيعياً للفلسفة الداخلية: هادئة، متزنة، واضحة الأهداف، وتتحرك وفق قراءة دقيقة لموازين القوى والتحولات العالمية.
ولعلّ دقة التوقعات الإماراتية لما ستؤول إليه الأوضاع الإقليمية والدولية، وقدرتها على التكيّف المبكر مع المتغيرات، جعلت من هذه الرؤية نهجاً مؤسسياً لا يرتبط بزمن أو ظرف، بل يُورَّث جيلًا بعد جيل.
* ثالثاً- الإمارات في اليمن: البناء قبل السياسة:
في اليمن، تجلّت هذه الرؤية بوضوح. فقد انطلق الدور الإماراتي من منطلق إنساني في المقام الأول، هدفه تخفيف المعاناة عن الإنسان اليمني، خاصة في الجنوب الذي عانى طويلاً التهميش، ونهب الثروات، وتدمير مؤسسات الدولة. وحين طُلب من الإمارات المشاركة في التحالف العربي، وافقت وتحملت عبئاً كبيراً، وتركزت جهودها على إعادة البناء وتأهيل الإنسان قبل أي اعتبار سياسي.
وعندما اكتملت المهمة، وانتهى الدور المطلوب، انسحبت الإمارات بهدوء ومسؤولية، من دون ضجيج أو محاولة فرض نفوذ، تاركة خلفها أثراً ملموساً وسمعة تليق بدولة تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالحكمة.
* رابعاً: دعم الإنسان العربي وتعقيدات الواقع.. حالة السودان:
امتد هذا النهج الإنساني إلى دول عربية أخرى، من بينها السودان، حيث كان الهدف ومال زال هو تخفيف معاناة غالبية السكان الذين عانوا طويلاً التهميش واحتكار السلطة والثروة. غير أن تعقيدات الواقع، وتجاوز بعض الأطراف المدعومة للخطوط الحمر، واستغلال الدعم في صراعات داخلية، أدّت إلى نتائج أساءت – بصورة غير منصفة – إلى صورة الإمارات.
وفي هذا الإطار، يأتي إعلان الإمارات عن عام 2026 عاماً للأسرة كخطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية مراجعة بعض السياسات. فبعد عقود من البناء المتسارع، باتت الحاجة ملحّة للالتفات العميق إلى الإنسان الإماراتي، وتحديث السياسات الأسرية والاجتماعية، وتعزيز دعم مختلف شرائح المجتمع، خاصة المؤسسين ومن لم ينالوا ما يستحقونه من دعم ورعاية خلال مراحل التحول الكبرى.
ويتوازى ذلك مع استمرار الاستثمار في جيل الشباب، لا بوصفه امتداداً شكلياً، بل باعتباره الجيل الذي سيتحمل مسؤولية استكمال المشروع الوطني في عالم سريع التحول، متعدد الأقطاب، متغير القيم والمعايير.
في عالم تتبدل فيه التحالفات، وتسقط فيه الشعارات، وتتعثر فيه النماذج المؤدلجة، تظل رؤية الإمارات صامدة لأنها رؤية إنسانية واقعية، لاتُخاصم العالم، ولا تُعادي التاريخ، ولا تراهن على الفوضى، بل تستثمر في الإنسان، وتقرأ المستقبل بعقل بارد وحكمة عميقة.
ولهذا لم تكن الإمارات دولة لحظة، بل دولة مسار...ولم تكن سياساتها ردّ فعل، بل فعل رؤية.
رؤية الإمارات: من الحكمة إلى استشراف المستقبل
14 يناير 2026 00:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 يناير 00:31 2026
شارك