د. موزة سيف الدرمكي*
في الوقت الذي تتسابق فيه المجتمعات لبناء أجيال مبدعة ومفكرة، ما زالت بعض الممارسات التربوية اليومية لدى بعض الآباء والمعلمين تمارس دون وعي، وتعمل على إيقاف عقل الطفل بدل تنميته، بسبب الانشغال، أو عدم وجود الوقت الكافي، أو ظناً منا أننا بذلك نصنع طفلاً منضبطاً، بينما هي في الواقع تُنتج عقلاً خامداً مقيداً وفكراً تابعاً جامداً.
يبدأ إيقاف عقل الطفل حين يُقابل فضوله بالقمع، وتُقابل أسئلته بالتوبيخ أو الانزعاج.
هنا يتعلم الطفل أن التفكير والسؤال عما يشغل ذهنه مخاطرة قد تواجه بنفس الطريقة أو أشد. وفي المقابل يأتي التلقين، حيث يُطلب من الطفل الحفظ دون فهم، فيتحول عقل الطفل إلى مخزن معلومات لا أداة للتحليل والاستقراء والنقد.
ومن أخطر الممارسات أيضاً الاستهزاء بأفكار الطفل أو التقليل من شأنها أمام إخوته وزملائه، فالسخرية لا تقتل الفكرة فحسب، بل تقتل الجرأة على التفكير والمحاولة مستقبلاً. كما تؤدي المقارنات بين الطفل وزميله إلى ترسيخ شعوره بعدم الكفاءة، ما يدفع الطفل إلى الانسحاب والتوقف عن المحاولة.
كما أن ما يوقف عقل الطفل أيضاً التحكم المفرط، حين يُحرم الطفل من اتخاذ قراراته، حتى البسيطة منها، أو تكليف الطفل بمهمة من قبل أحد والديه وتلقينه طريقة تنفيذها بالتفصيل الممل، بحكم وجود الخبرة من وجهة نظرهما، هنا تم فعلياً إلغاء تفكير الطفل، فينشأ معتمداً، عاجزاً عن التفكير المستقل.
ويكتمل المشهد حين يُربط التعبير عن الرأي بالتجاهل أو القمع أو العقاب، فيتعلم الطفل أن الصمت أكثر أماناً من الفكرة.
إن إيقاف عقل الطفل لا يحتاج إلى عنف أو قسوة، بل يكفي إلغاء الحوار، والقمع عند السؤال أو تهميش الرأي، والنتيجة طفل هادئ ومطيع ظاهرياً، لكنه متوقف ذهنياً. فالعقول التي لا تُدرَّب على التفكير في الصغر، يصعب أن تُبدع عند الكبر.
* جامعة كلباء