يستحق الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله جائزة «نيوستاد» الدولية للأدب، ويستحق الجوائز الأدبية الرفيعة التي ذهبت إليه بكل جدارة وموضوعية، ويستحق، بلا مبالغة، نوبل للأدب في استوكهولم إذا رأت صاحب «زمن الخيول البيضاء» من زاوية الجدارة والاستحقاق والموضوعية، ويستحق صاحب «الخيول على مشارف المدينة» أيضاً أن يحمل لقب المؤرّخ الروائي لفلسطين وذاكرتها الحارّة.
كرّس إبراهيم نصر الله حياته كلّها للكتابة بجرأة وشجاعة، فتفرّغ من تلقاء نفسه للشعر والرواية من دون أن يقف على باب مؤسسة ينتهزها أو يستجديها من أجل قرار التفرّغ الذي يحتاج إلى مغامرة، لكن لأن إبراهيم الإنسان يعرف جيداً إبراهيم الكاتب في داخله وفي ذاته الواقعية والحلمية أيضاً أدرك منذ البداية أن المغامرة ستكون إلى جانبه، ففي أعماقه نفس كبيرة وروح نبيلة يراهن عليهما في خط الجرأة والشجاعة والمغامرة.
ترك إبراهيم مهنة التدريس مبكراً، وعمله في الصحافة لم يستهلكه ولم يغرقه في مهنة متاعب أو يقرّبه من سلطة صحفية توصف بالسلطة الرابعة التي يستغلها بعض الصحفيين ويركبون أمواجها العالية والمنخفضة وصولاً إلى موقع أو وظيفة فاخرة.
وضع إبراهيم كل ذلك جانباً، كما لو انه «حَلَفَ»، بينه وبين نفسه أن يكون دائماً في المقاعد الأولى بين شعراء وروائيي جيله وزمنه الثقافي المركب من الانتفاع الأيديولوجي السياسي والانتفاع الرسمي المبرمج..
لم يركب إبراهيم على ظهر حزب أو أيديولوجيا أو مؤسسة. وأولى مجموعاته الشعرية تظهر فيها الخيول، وتظهر الخيول أيضاً في أعمق وأقوى رواياته، وهكذا، امتطى الرجل حصانه هو، ودخل السباق بطبيعة الفارس الذي في داخله، مرة ثانية، مغامر شجاع..
ليس سهلاً في وطننا العربي، وفي زمننا العربي أن تراهن على الكتابة، وتتفرّغ من اجلها، غير أن صاحب «براري الحمّى»، أوّل رواية له قبل أكثر من أربعين عاماً، راهن على قلمه، وهو قال أمس الأول في مناسبة الاحتفاء به كأول كاتب عربي يفوز بجائزة «نيوستاد» التي توصف بنوبل الأمريكية: «ليس من السهل أن يكرّس الإنسان حياته للكتابة، لكنه الحل الأفضل، إن استطاع إليه سبيلاً، هكذا، وجدت نفسي مخلصاً لمشروعي، رفيقاً لكلماتي، حريصاً عليها، وحارساً لها من أن تتعثر بعتمة أو بضوء يَعْمي».
طال أمد حراسة إبراهيم للغته وسرديته الروائية وشعريته النهرية المائية، كان وما زال في نوبات حراسة ليلية ونهارية لمشروعه الكتابي، خوفاً من أن يُستغل أو يُختطف. ابْيَضَّ شعره وابيَضَّ قلبه أكثر، لكن جسده لم ينحن، لم يتوكأ على يد أحد، ولم يسمح لأحد بأن يربت على كتفه، فهناك على الكتف رتبة أدبية وأخلاقية لا تُمسُّ.