بينما نسير في دروب الحياة ونتذكر بعض الأوقات الصعبة التي عبرنا من خلالها، نلاحظ أحياناً أن النفس تميل لتذكر الألم وتجاهل الأمل، وكأن الجانب السلبي في العادة يطغى على الإيجابي. كم من مرة أفسدت علينا ملاحظة سلبية واحدة يوماً كان مليئاً بالنجاحات، وكمْ من مرة استيقظنا في منتصف الليل نفكر في إخفاق قديم رغم أن حاضرنا مليء بالإنجازات.
إن هذا ليس ضعفاً في شخصيتنا، بل هو انحياز فطري يسكن في أعماق أدمغتنا ويجعلنا نعطي وزناً أكبر للمشاعر والأحداث السلبية موازنة بالإيجابية. وقد كشفت الدراسة التي أجراها عالم النفس جون كاسيبو، وفريقه عام 1998 في جامعة أوهايو، كيف يتفاعل الدماغ مع هذا الانحياز من خلال رصد النشاط الكهربائي في القشرة المخية للمشاركين.
وفي تجربتهم، قام الباحثون بعرض سلسلة من الصور المتنوعة على المشاركين، حيث تضمنت الصور أشياء إيجابية مبهجة وصوراً محايدة وصوراً سلبية مزعجة. وعندما بدأ الباحثون في مراقبة ردود أفعال الدماغ وجدوا حقيقة مذهلة، فالنشاط الكهربائي في أدمغة المشاركين كان يسجل استجابات أقوى بكثير عند رؤية الصور السلبية، موازنة بالصور الإيجابية، حتى لو كانت الصورتان متساويتين في مستوى الإثارة. لقد أثبتت التجربة أن الدماغ يخصص موارد معالجة أكبر بكثير للمعلومات التي تحمل طابعاً سيئاً وكأن هناك شاهداً داخلياً يسلط كل أضوائه على السواد بمجرد ظهوره.
وقد لخص الباحثون هذه القاعدة في دراستهم حين ذكروا: «تميل المعلومات السلبية إلى التأثير في التقييمات بقوة أكبر من المعلومات الإيجابية المتطرفة بشكل مماثل»، وهذا يفسر لماذا نجد أن استجابة الإنسان لكل ما هو سلبي تكون أسرع وأعمق وأكثر ثباتاً في الذاكرة. الدرس هنا هو فن استعادة التوازن في رؤيتنا للعالم. إن تركيزنا هو الذي يحدد واقعنا، فإذا سمحنا للانحياز السلبي بأن يقود بصيرتنا سنعيش في خوف دائم وقلق مستمر من القادم.
إن الموظف يحتاج إلى عدة كلمات تشجيع لكي يمحو أثر كلمة نقد واحدة حادة، والمشروع الناجح قد ينهار حماسه بسبب التركيز المبالغ فيه على عثرة بسيطة. لا تطلب من عقلك ألا يرى السلبيات، فهذه فطرته لحمايتك، ولكن درّب قلبك على امتنان الإيجابيات والموازنة.
إن الحكمة تقتضي منا أن ندرك أن الغيوم العابرة لا تلغي وجود الشمس، وأن القائد الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة لكي يرى الفرص في قلب المخاطر، والنور في عمق السواد.
[email protected]