بعد طول انتظار تم الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة غزة قبل ساعات قليلة من الإعلان عن مجلس السلام الذي سيشرف على إعادة الإعمار ورسم مستقبل القطاع، وفقاً لخطة ترامب ذات العشرين بنداً، التي تم التوافق عليها، وحظيت بإجماع دولي.
سبق ذلك بساعات أيضاً إعلان واشنطن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة، التي يبدو أن إسرائيل لا تريد الالتزام بتنفيذها، وتختلق كل المبررات لإفشالها، بعد أن استهلتها بمزيد من التصعيد والمزيد من المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين، والمزيد من نقل المكعبات الأسمنتية لتوسيع ما يسمى «الخط الأصفر» باتجاه الغرب.
بالنسبة لسكان غزة لم يجلب الانتقال للمرحلة الثانية، حتى الآن، سوى المزيد من المعاناة والمزيد من اليأس، بينما المقتلة اليومية لا تزال مستمرة، وبينما الجوع والمرض لا يزالان ينهشان أجساد الأطفال والنساء والمسنين، مثلما كان عليه الحال قبل الاتفاقات وبعدها. وكما هو واضح فإن إسرائيل التي كانت تتعمد مواصلة خرق اتفاق وقف إطلاق النار بمختلف الوسائل والذرائع، فإنها اليوم تعمل على عرقلة خطة ترامب بأكملها بهدف إفشالها والعودة لاستئناف الحرب.
وهي تستخدم لذلك أساليب ملتوية خوفاً من الصدام المباشر مع إدارة ترامب، وبالتالي فهي ترهن إعادة فتح معبر رفح وتنفيذ الانسحاب المترتب عليها بموجب الخطة، بنزع السلاح وإعادة رفات الأسير الأخير، مع أن إسرائيل نفسها هي المسؤولة عن عدم استعادة هذه الرفات بسبب رفضها إدخال معدات ثقيلة لإزالة الركام الهائل الذي أحدثته في القطاع واستخراج جثة هذا الأسير وآلاف جثث الفلسطينيين التي لا تزال عالقة تحت الدمار. كما أنها تستخدم معبر رفح، وهو من استحقاقات المرحلة الأولى، ورقة ضغط لاستعادة رفات الأسير الأخير، حسب زعمها.
والحال نفسه ينطبق على البرتوكول الإنساني وإدخال المساعدات الغذائية والطبية والمعدات والبيوت المتنقلة وغيرها، الذي يتعدى استخدامه ورقة ضغط إلى محاولة إفقاد الفلسطينيين أي أمل في البقاء على أرضهم ودفعهم إلى الهجرة. أما مسألة نزع السلاح، فهي ذريعة لإدامة الاحتلال وعدم الانسحاب إلى الخطوط الجديدة، بموجب الخطة، إذ إن واشنطن ترى، وفق الكثير من التسريبات، أن هناك أكثر من صيغة لنزع السلاح وأن ذلك يمكن أن يتم تدريجياً، لارتباطه بالمسار السياسي الذي يجري الحديث عنه، أما إسرائيل فتصر على نزعه دفعة واحدة وفي أسرع وقت.
وهو ما يدفعنا للتساؤل عن كيفية عمل لجنة إدارة غزة الجديدة، وما إذا كانت قادرة على تنفيذ الأولويات التي أعلنت عنها، في ظل الرفض الإسرائيلي للانسحاب واستمرار «الفيتو» على فتح معبر رفح وإدخال المساعدات، إذا لم تتدخل الإدارة الأمريكية بشكل حازم لإزالة كل هذه العراقيل وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، والضغط لفتح مسار سياسي يفضي إلى تسوية الصراع، ويقطع الطريق على دعاة الحرب والاستيطان والتهجير.

[email protected]