لم تكن زيارة رئيس وزراء كندا مارك كارني إلى بكين الأسبوع الماضي، مثل زيارات قادة غربيين آخرين من أوروبا إلى الصين. رغم أن كندا تتعرض لضغط من إدارة الرئيس دونالد ترامب مثل بقية دول الغرب في أوروبا، إلا أن وضعها يختلف.
ليس فقط لأن لديها أطول حدود مشتركة مع الولايات المتحدة، ولا لأنها إحدى القوى الصناعية الكبرى المؤسسة لمجموعة السبع الكبار اقتصادياً في العالم، وإنما لاعتبارات أخرى مهمة غير تلك التي تحكم العلاقات الأوروبية – الصينية.
الخبر الأهم من الزيارة في الإعلام الكندي كان أن شوارع كندا ستشهد سيارات كهربائية صينية بشكل موسع للمرة الأولى. فقد تضمنت الزيارة، من بين اتفاقيات أخرى، إعلان كارني استيراد 49 ألف سيارة كهربائية صينية، مع خفض الرسوم الجمركية المفروضة عليها من 100 في المئة إلى 6.1 في المئة.
لكن الأهم بالنسبة لكندا ليس السيارات الكهربائية الصينية التي تكتسح الأسواق الأوروبية لجودتها ورخص أسعارها رغم الرسوم الأوروبية الباهظة عليها. إنما هو بحث كندا عن مستورد مهم وكبير لصادراتها من الطاقة بعد ما يبدو حسب تصريحات ترامب من استيلاء أمريكا على نفط فنزويلا. لأن الخاسر الأكبر من ذلك هو كندا التي تصدر كميات كبيرة من النفط والغاز إلى الولايات المتحدة، ويمكن لواشنطن الآن الاستغناء عنها بالحصول على النفط من فنزويلا وغويانا.
لطالما كرر الرئيس ترامب في تصريحاته بشأن فنزويلا أنه يواجه النفوذ الصيني والروسي في «نصف الكرة الغربي» حسب تعبيره. حتى في محاولاته الاستيلاء على جزيرة غرينلاند من الدنمارك لا يفتأ يذكّر بالخطر الروسي والصيني.
صحيح أن الكميات التي كانت تستوردها الصين من فنزويلا (ما بين 5 إلى 8 ملايين برميل شهرياً) كانت بأسعار تنافسية، إلا أنها لم تكن كبيرة بالنسبة لواردات الصين النفطية. كما أنه يمكن لبكين تعويضها بسهولة بزيادة وارداتها من روسيا التي لديها فائض تصدير بعد حظر أوروبا استيراد الطاقة من روسيا بسبب حرب أوكرانيا.
رغم أن التعاون الاقتصادي هو البند الأهم في زيارة رئيس الوزراء الكندي وقمته مع الرئيس الصيني تشي جين بينغ، إلا أن بكين لا تريد خسارة وجودها في نصف الكرة الغربي تماماً. فإذا كانت خسارة فنزويلا، أو حتى كوبا وغيرها لاحقاً، أضرت بتواجدها في أمريكا الجنوبية فها هي تستغل الفرصة للتواجد في أمريكا الشمالية عبر كندا.
يدرك كارني ذلك وليست لديه مشكلة في أن تكون بلاده موطئ قدم للصين في أمريكا الشمالية. ليس حباً في بكين، وإنما لمعادلة الضغط الأمريكي على كندا بورقة مساومة مهمة – وهذا عكس ما يفعله الأوروبيون الذين يستجيبون بسهولة لضغوط واشنطن في تعاملهم مع بكين.
كان كارني أول محافظ لبنك إنجلترا (المركزي البريطاني) من خارج بريطانيا قبل أن يعود إلى كندا ويعتمد مساراً سياسياً أوصله لرئاسة الحكومة. فلديه خبرة اقتصادية واسعة، ومعرفة مباشرة بأوروبا وسياساتها إلى جانب معرفته الواسعة بأكبر اقتصادين في العالم: الولايات المتحدة والصين.
لذا حين صرح في نهاية زيارته «لقد تغير العالم كثيراً.. وهذه الشراكة الجديدة (بين الصين وكندا) تهيئ طريقنا جيداً نحو النظام العالمي الجديد» لم يكن ذلك مجرد «كليشيه» كتصريحات السياسيين للاستهلاك الإعلامي. فتلك أول مرة يستخدم فيها زعيم غربي مصطلح النظام العالمي الجديد بشكل صريح وواضح هكذا. والأكثر وضوحاً أن كارني يعرف أنه بكلمته تلك يتحدى توجه القوة العظمى الوحيدة المتحكمة في العالم، أي الولايات المتحدة.
ربما تكون أستراليا هي المرشح التالي بعد كندا في تحسين علاقتها مع الصين، خاصة أن بين البلدين مصالح اقتصادية كبيرة ربما أهم من استيراد الصين للطاقة من كندا. وساءت العلاقات الأسترالية الصينية كثيراً، حتى قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض. إنما الآن، وفي ظل ضغوط ترامب على حلفاء بلاده قبل أعدائها، قد تتجه أستراليا نحو تحسين العلاقات مع بكين لتكون في وضع أفضل أمام الضغوط الأمريكية.

[email protected]