ألم يسبق ومر بك الانجذاب لنغمة موسيقية، في ما سبق لم تكن تعجبك، أو الارتياح في بيئة عمل، كنت سابقاً تراها بيئة غريبة، بل وصلت بك الحال إلى اعتبار تغييرها مخاطرة؟ ألم يمر بك شعور بأن هذا الطريق مزعج أو طويل، وكنت تتجنب السير فيه، لكنك لاحقاً صرت تسير فيه، وتتجنب الطريق الآخر؟ قد نجد أثناء يومنا أن ألفتنا للأشياء تنمو بهدوء، دون استئذان، وكأن هناك قوة خفية تدفعنا لتفضيل الأمور المألوفة على ما سواها، هذا الشعور ليس مجرد صدفة بل ظاهرة نفسية عميقة تجعل من التكرار جسراً للمودة، وكأن رؤية الشيء، بشكل مستمر، هي مفتاح للقبول. وبالمقابل، قد نلاحظ أن العقل البشري يميل بطبعه إلى الحذر من كل ما هو جديد ومجهول، ففي العصور القديمة كان الغريب يمثل خطراً محتملاً بينما كان المألوف يمثل الأمان والبقاء. ومع مرور الوقت، تحول هذا الميل الغريزي إلى انحياز نفسي يجعلنا نمنح الأشياء التي تتكرر أمامنا قيمة أكبر ومكانة أرق في قلوبنا. نحن لا نحب الأشياء دائماً لأنها الأفضل، بل أحياناً نفضلها ببساطة لأننا اعتدنا عليها حتى أصبحت جزءاً من مشهدنا اليومي المريح. ولفهم هذا الانحياز بشكل أعمق نجد أن العلم قد وضع يده على هذه الحقيقة منذ عقود. ووفق تجربة بحثية أجراها الباحث روبرت زايونس، من جامعة ميشيغان، عُرضت مجموعة من الرموز التي لا تحمل أي معنى واضح على المشاركين بترددات مختلفة، بعض الرموز ظهرت مرة واحدة، وبعضها تكرر لعشرات المرات. المذهل هو أن المشاركين عندما طلب منهم تقييم هذه الرموز اختاروا الرموز التي تكررت أمامهم أكثر، واعتبروها الأكثر جمالاً وإيجابية رغم أنهم لا يعرفون عنها شيئاً، وذكر الباحثون في دراستهم البحثية «أن التعرض المتكرر لمحفز معين يعد شرطاً كافياً لتعزيز موقف الفرد تجاهه». هذا التأثير يفسر لنا الكثير من سلوكياتنا في عالم الموضة والإعلانات وحتى في علاقاتنا الإنسانية. نحن نشتري المنتجات التي نرى شعاراتها باستمرار ونثق في الأشخاص الذين تتقاطع طرقنا معهم بانتظام. إن التكرار يقلل من الجهد الذهني الذي يبذله العقل لمعالجة المعلومات، عندما نرى شيئاً مألوفاً يشعر عقلنا بالراحة والسهولة، وهذا الشعور بالراحة يترجمه وعينا فوراً على أنه حب أو تفضيل. إن الوعي بهذا التأثير يمنحنا بصيرة أكبر في كيفية تشكيل أذواقنا وقراراتنا، فالحكمة تقتضي منا أن نتساءل أحياناً هل نحب هذا الشيء فعلاً لذاته أم أننا سقطنا في فخ الألفة؟ وفي المقابل، يذكرنا هذا المفهوم أيضاً بأهمية الاستمرار والصبر في بناء قصص حياتنا في مختلف السياقات، فربما تلك البدايات التي كانت تبدو غريبة أو غير متقبلة ستحتاج فقط إلى قليل من الوقت والتكرار لتتحول إلى تجربة ناجحة ومألوفة.
[email protected]