«ما يعتاد عليه الإنسان يصير طبيعته»، عبارة بسيطة، لكنها أخطر مما تبدو، فنحن لا ننتبه غالباً إلى اللحظة التي يتحول فيها الاستثناء إلى قاعدة، والعارض إلى نمط، والضيق إلى رفيق يومي.
كالجسد الذي يعتاد طعماً أقل نقاء حتى ينسى مذاق الصفاء، تعتاد الروح أحياناً أنماطاً من العلاقات لا تغذيها حقاً، لكنها لا تقتلها فوراً. لا يأتي الأذى كصدمة، بل كاعتياد طويل، يترسخ بهدوء، ويتخفى في تفاصيل صغيرة لا تلفت الانتباه.
نحن نعيش داخل إيقاع سريع يجعلنا نبتلع أكثر مما نتذوق. نمر على الكلمات، على الوجوه، على الروابط، كما نمر على وجبات عابرة لا نتساءل عن مكوناتها. الجسد يرفض ما يؤذيه سريعاً، أما الروح فتصبر طويلاً، تفسر، وتسوغ، وتمنح الأعذار، حتى يصبح الاستنزاف طبيعياً، والقلق مألوفاً، والضيق رفيقاً صامتاً.
ليس الأمر دائماً متعلقاً بشخص واحد، بل بالمناخ الذي نتحرك داخله: ثقافة تثمن الصلابة أكثر من الرحمة، وتخلط بين القوة والهيمنة، وبين النضج والبرود. في هذا المناخ، تتآكل العلاقات ببطء، لا جرح صارخاً، بل تراجع خفي في الطمأنينة، في العفوية، وفي القدرة على أن نكون كما نحن دون قلق.
ثم تأتي لحظة غير درامية، لحظة أشبه بتنفس عميق، ندرك فيها أن ما كنا نظنه قدراً لم يكن سوى نمط اعتدناه. لا نتساءل فقط عمن آذانا، بل نتأمل في المسافة التي سمحنا بها بيننا وبين ذواتنا. تلك اللحظة ليست كشفاً قاسياً، بل صحوة هادئة.
الشفاء لا يشبه تبديلاً سريعاً، بل يشبه عودة الحواس إلى عملها الطبيعي. يبدأ بالوعي: أن نميز ما يوسع الروح عما يضيقها، ثم بالمسافة: ليست انسحاباً من العالم، بل إعادة تنظيم للعلاقة معه، وأخيراً بالوقت، فالروح، مثل الجسد، تحتاج إيقاعها الخاص كي تستعيد توازنها.
ربما لو نظرنا إلى علاقاتنا كما ننظر إلى الماء الذي نشربه، نتأكد من نقائه، ونرفض ما يعكر صفوه، لبدت الحياة أقل اختناقاً وأكثر رحابة، فالصحة ليست مجرد غياب الألم، بل القدرة على التنفس بعمق داخل الروابط التي نختارها.
وفي النهاية، تتعافى الروح ببطء، لكنها تعود إلى صفائها. مثل نهر هدأ بعد اضطراب طويل، يحمل أثر ما مر به، لكنه يستعيد شفافيته، ويذكرنا بأنه ليس كل ما يُقدم لنا يستحق أن نقبله، ولا كل ما اعتدناه يستحق أن يبقى.

[email protected]