الزمن في الحياة يسير بخط واحد لا عودة فيه، فنحن نمشي من الماضي إلى الحاضر ثم المستقبل، دون أن نملك خيار الرجوع أو القفز بين المراحل، ولكن في فن الرواية يصبح الزمن مسرحاً يتلاعب فيه الكاتب المبدع، إذ يتخلى عن قيود الواقع ليعيد ترتيب الأحداث وفق رؤيته الخاصة، وهنا تحدث «المفارقة الزمنية»، وهي تقنية سردية يستخدمها الكتاب في الأدب لإحداث تلاعب بالزمن داخل الرواية، حيث يتنقل الزمن في الرواية بحرية، ما يعكس التجربة الإنسانية بعمق أكبر.
المفارقة الزمنية تحدث عندما يكسر الكاتب التتابع الزمني الطبيعي للأحداث، قد يعيدنا إلى الماضي عبر تقنية الاسترجاع أو يسبق الزمن إلى ما هو آت عبر الاستباق، في الاسترجاع ينغمس الراوي في ذكريات قديمة ليكشف لنا أسراراً أو ليضيء زوايا غامضة من الحكاية، ما يعمق تفاعلنا مع الشخصيات ويسهم في كشف طبائعهم وأفعالهم، أما في الاستباق فالتنبؤ بما سيحدث يخلق حالة من التوتر والانتظار، ليجعلنا مشدودين للحدث المقبل من دون أن نكون قادرين على التنبؤ بكيفية سير الأمور، وهذا التلاعب الزمني يبني حالة من التشويق والتساؤل حول مصير الشخصيات قبل أن تصل إلى نهايتها، ليعزز عنصر المفاجأة ويجعلنا نعيد النظر في مسار الأحداث.
المفكر الفرنسي جيرار جنيت، يولي اهتماماً كبيراً لدراسة المفارقات الزمنية في الرواية، فقد اعتبر أن «زمن القصة» هو ما يحدث في حياة الشخصيات، أما «زمن السرد» فهو الأسلوب الذي يختاره الكاتب لرواية تلك الأحداث، لذا نجد الرواية الحديثة قد تتجاوز الحدود التقليدية للأزمنة، بحيث يمكن أن يبدأ النص من النهاية، أو أن تتكرر اللحظة الواحدة من عدة زوايا زمانية مختلفة، وفق تقنيات سردية أساسها إثارة فضول القارئ.
يبدو السرد الزمني المتقاطع أقرب إلى طبيعة الشعور الإنساني من أي تسلسل منطقي للأحداث، فالفجوات الزمنية وتداخلها يمكن أن تكون أقرب إلى الحقيقة التي نعيشها، حيث قد نجد أنفسنا فجأة في ماض بعيد مرتبط بذكرياتنا، أو في خيالات مستقبلية تعبر عن رغبات أو مخاوف، ومن خلال التلاعب بالزمن يعيد الروائي ترتيب الوقت على هواه، ليقول لنا في النهاية إن الزمن هو سلسلة من التفسيرات والتصورات التي لا يمكننا فهمها إلا من خلال تعقيداتها وتداخلاتها.
هكذا يصبح الزمن في الرواية عنصراً فاعلاً في تشكيل المعنى وتوجيه الرسائل بطرق غير تقليدية، ولا شك أن المفارقات الزمنية تسهم في تحويل النص الروائي إلى تجربة عميقة وثرية تمكّن القارئ من الغوص في أعماق الوجود الإنساني.
«الزمن» حيلة سردية
24 يناير 2026 00:27 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 يناير 00:27 2026
شارك