طبيعي جداً أن يعيد زمن الثقافة الرقمية صياغة مفهوم الهوية الفردية، ويطرح أسئلة جديدة حول حدود الخصوصية، إذ قاربت أجهزة الاتصالات الحديثة بين الناس جميعاً، بدرجة ضيّقت المسافات، وأحياناً أزالتها، فلم تعد هناك المساحات الواسعة القديمة التي يتحرك فيها الفرد وهو في مأمن من عيون الآخرين.
وقد يتصور البعض أن الخصوصية مفهوم عالمي ثابت الدلالة في كل الثقافات، وهذا غير واقعي، فالغرب غير الشرق، فكل ثقافة لها نظرتها، وتجاربها، وعاداتها، وتقاليدها، فالخصوصية في الغرب جزء من الحقوق المدنية الأساسية المرتبطة بالحرية الفردية، والاستقلالية، وارتباط الحق بالحرية يصنع نوعاً من التناقض، فالحق تقرّره منظومة قانونية صارمة تفرض سياجاً من الحماية على كل بيانات الفرد الشخصية.
لكن الحرية لا تمنع الفرد من نشر تفاصيل حياته اليومية على الملأ، بما فيها علاقاته الخاصة، وصوره، وأفكاره التي قد تمسّ معتقدات الآخرين المخالفين له في الدين، والعرق، والجنس، أي ثمّة فجوة واضحة في الغرب بين النص القانوني الحامي للخصوصية من الانتهاك، والممارسة الاجتماعية التي تمنح الفرد مرونة في رفع الستار عن خصوصياته، من دون موانع.
في المجتمعات العربية، الأمر مختلف إلى حدٍّ كبير، الخصوصية لا ينظر إليها باعتبارها حقاً قانونياً فحسب، وإنما قيمة دينية واجتماعية، في الأساس، وانتهاكها هو تشويه للسمعة، ولهذا، تعيش بعض الشخصيات حالة من الازدواجية بين العام والخاص، تعكس توازناً مفقوداً بين القيود الاجتماعية المتوارثة التي يجب الالتزام بها، والرغبة في كسر المألوف، والجنوح إلى البوح والتعبير، وهما من إغراءات الثقافة الرقمية الجديدة.
في الوقت نفسه، مازال الوعي الرقمي ضعيفاً نسبياً، أو لم يكتمل نضجه في بعض المجتمعات العربية، لأسباب كثيرة، أهمها تعقيدات التكنولوجيا الحديثة، واستسهال التعامل معها، ما يُعرّض بعض أصحاب الهواتف الذكية والصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى انتهاك خصوصياتهم، من دون أن توفر لهم البنية التشريعية الضابطة لهذه التصرفات الحماية الكافية، فهي ما زالت في طور التأسيس، وبطبيعتها أقلّ صرامة من نظيراتها الغربية.
الخصوصية ليست حقاً قانونياً، أو قيمة اجتماعية فقط، بل هي أيضاً مساحة إنسانية نحتاج إلى أن ندافع عنها عبر القانون، وعبر الوعي الاجتماعي.