خطة إعادة إعمار غزة التي عرضها المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر، في منتدى دافوس، مؤخراً، كشفت عن عالمَين متناقضين، أحدهما افتراضي يقوم على الفانتازيا المملوءة باللوحات الفنية الجميلة، والآخر واقعي يترك سكان القطاع في مواجهة مصير مجهول، ما يثير مخاوف جدية من أن تتحول خطة «غزة الجديدة» إلى بوابة لتهجير الفلسطينيين.
لم تختلف خطة كوشنر عمّا سبقها من خطط أمريكية، بدءاً من «ريفيرا الشرق الأوسط»، و«شروق الشمس»، و«غزة الجديدة» السابقة التي كان يجري الحديث عن إقامتها في رفح، سوى في تقديم صورة تفصيلية لذلك العالم الافتراضي من منظور عقاري فحسب، ومن دون أن يحمل أي بعد سياسي. ما يضفي مزيداً من الغموض حول هذه الخطة التي اقتصرت على الحديث عن بناء عشرات الأبراج الشاهقة، والشوارع الأنيقة، والجسور المعلقة، والحدائق العامة، وبناء ميناء ومطار عصريين، وإقامة منطقة سياحية، وجلب الاستثمارات، إلى جانب منطقة صناعية متطورة، من دون توضيح ماهية الصناعات التي تنتجها.
لكنها لم تتحدث عن مالكي العقارات الفلسطينيين الذين دمرت منازلهم ومنشآتهم، التجارية والصناعية، ولا عن حقوق أصحاب الأراضي الزراعية، وما إذا كان سيتم تعويض هؤلاء عن حقوق الملكية، كما لم تتحدث عن مصير أكثر من مليونَي فلسطيني، تعيش أغلبيتهم العظمى على الساحل الغربي للقطاع، وهو المكان الذي سيتم بناء الأبراج والمناطق السياحية عليه، ما يثير المخاوف من تنفيذ خطط التهجير المعدّة مسبقاً، والتي لم تتخلّ عنها لا واشنطن، ولا تل أبيب.
ويكفي أن نشير إلى معبر رفح الذي أخضعت إسرائيل إعادة فتحه لمساومات عدّة، بينها التحكم في أن يكون عدد المغادرين للقطاع أكبر من عدد القادمين، فضلاً عن المراقبة الأمنية، وإعطاء الموافقات الأمنية على كل من يدخل، ومن يخرج. ولا يقتصر الغموض على هذا الحد، فخطة كوشنر لم تتحدث عن التمويل، ولا عن إزالة أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، يقرّ الخبراء والجهات الدولية أن إزالتها ستستغرق سبع سنوات، فيما يجري استعجال التنفيذ في أسرع وقت، وكذلك الحال بالنسبة إلى الألغام والذخائر غير المنفجرة.
وسط كل هذا الغموض، لا بد أن يُطرح السؤال حول مصير الخطة العربية لإعادة إعمار غزة، والتي اعتمدتها القمة العربية في القاهرة مطلع مارس/ آذار 2025، خصوصاً بعدما تأجل مؤتمر القاهرة الدولي لإعادة الإعمار الذي كان يفترض أن يعقد في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، على الرغم من أن الخطة العربية تقارب الواقع الحقيقي، وفق الخبراء، وليس العالم الافتراضي، والتي في ضوئها يمكن البدء بخطوات عملية جادة، بعيداً عن عالم الصفقات، ومطوّري العقارات. لكن قبل ذلك وبعده، ينبغي إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار الذي لا يزال يلتزم به جانب واحد، حتى الآن.

[email protected]