لم تشهد البشرية في تاريخها هذا الكم من الصور، كما تشهده اليوم، ولم تكن أدوات إنتاج الصورة متاحة بهذا الاتساع. ومع ذلك، فإن الأثر الذي تتركه الصورة في الوعي العام يبدو أضعف مما كان عليه، ليس لأن الصورة فقدت قدرتها على التعبير، وإنما لأن سياق إنتاجها وعرضها تغيّر، وتغيّرت معه معايير التقييم، وحدود التمييز، وطريقة تلقّي الرسالة وفهم المعنى.
في هذا الواقع، يسهل إلقاء اللوم على الذكاء الاصطناعي وتحميله مسؤولية التغير الحاصل، وكأن المشكلة بدأت مع ظهوره، لكن المهرجان الدولي للتصوير «إكسبوجر» 2026 يتناول التحولات التي شهدها السرد البصري على مدار العقد الماضي، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ السرد، ولم يُفرغ الصورة من مضمونها، ولم يمنعها من التأثير. ما زلنا نشاهد صوراً وأفلاماً وأعمالاً بصرية مولّدة بالكامل عبر الخوارزميات، لكنها قادرة على مخاطبة الوعي وإثارة الأسئلة والتأثير في المشاهد، لأن من يقف خلفها إنساناً يمتلك الفكرة، والوعي، والخبرة، والمعرفة اللازمة.
من خلال الفعاليات والورش والمعارض التي يقدمها، يؤكد المهرجان أن الفرق لا تصنعه الخوارزمية بحد ذاتها، بل من يتصورها ذهنياً قبل كتابتها تقنياً، فالصورة التي تحمل دلالة ورسالة، هي نتاج بحث وقراءة وخبرات وتجارب ومعارف تراكمية لترجمة السؤال الإنساني إلى صورة. أما الصورة التي تُنتج بأوامر عشوائية، دون معرفة أو قصد أو فهم للسياق، فتبقى عابرة مهما كانت متقنة شكلياً، لأنها لا تستند إلى الوعي والتجربة.
يوضح «إكسبوجر» 2026 أن المشكلة الحقيقية ليست في الأدوات الجديدة، بل في تراجع قيمة الجهد المعرفي الذي يسبق إنتاج الصورة. في الماضي، كانت الصورة نتيجة رحلة طويلة من المحاولة، والخطأ، والتعلّم. أما اليوم، فقد صار بالإمكان تجاوز هذه الرحلة والانتقال مباشرة إلى النتيجة بعشوائية وبلا أي جهد يذكر، وحين يُختصر الطريق إلى هذا الحد، يضيع المعنى.
في ظل كثافة الإنتاج البصري وتسارعه، يختل التوازن بين الأعمال التي كُتبت بتراكم طويل من المعرفة، والمحتوى العشوائي الذي لا يتطلب من المتلقي سوى لحظة انتباه عابر. وهذه هي الخسارة الحقيقية، خسارة المبدع، والمتلقي، والوعي العام، لأن الصورة الإبداعية المؤثرة تضيع وسط سيل لا يفرّق بين الجوهري والعابر.
هذا الواقع يغيّر فكرة القيمة ذاتها؛ فالقيمة لم تعد في القدرة على إنتاج صورة، وإنما في القدرة على التمييز بين العمل المؤثر والاستعراضي. ولا يمكن اكتساب هذه القدرة من خلال الأدوات، أو اختصارها في مهارات تقنية، لأنها تحتاج مسيرة طويلة من البحث، والمشاهدة، والمقارنة، والاحتكاك بالصورة بوصفها خطاباً إنسانياً.
هنا تبرز قاعدة السنوات العشر، التي أشار إليها عالم النفس جون هايز، كتوصيف لتكوّن الوعي وتراكم الخبرة. هذه القاعدة تشير إلى أن التحول الحقيقي لا يحدث قبل أن تمر التجربة بمراحل كافية من الاختبار والمراجعة، إلى أن يصل المبدع إلى مرحلة يصبح فيها قادراً على الاختيار، حيث يمتلك القدرة على معرفة الصورة التي تستحق أن تُقدّم، والفكرة الجديرة بتحويلها إلى سرد بصري.
في السرد البصري تحديداً، يتجلى هذا الفرق بوضوح، فهناك صورة توثق مشهداً، وصورة تروي قصة. الأولى تتسم بطابع توثيقي، أما الثانية فتبني معنى، وتحفظ ذاكرة، وتطرح سؤالاً، أو تقدم سرداً وتطلب من المتلقي أن يصغي. هذا الفارق لا تصنعه الكاميرا، ولا الذكاء الاصطناعي، بل وعي المصور الذي يقف خلف العدسة، والخبرة في الاختيار والتفضيل والتوقيت.
من هذا المنظور، يشكّل وصول المهرجان الدولي للتصوير «إكسبوجر» إلى نسخته العاشرة ثمرة مسار طويل من البناء والخبرة واستضافة آلاف الخبرات العالمية منذ تأسيسه، إذ أصبح المهرجان الأبرز والأكبر من نوعه على صعيد المنطقة، ومساحة إبداعية للاحتفاء بالسرد البصري والاختيار الواعي. شعار نسخة العام الجاري «عقد من السرد القصصي البصري» يضع ما تراكم من إنجازات على مدى السنوات العشر الماضية في سياق استكمال المسيرة خلال العقد المقبل.
كيف يتبدل السرد البصري؟
26 يناير 2026 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 يناير 00:04 2026
شارك