نقرأ عن ظواهر ماثلة في التاريخ وفي الثقافات العالمية من مثل: الزمن، الحرب، القتل، السلطة، التلوّث، الحب، الموت، الطغاة، وغيرها من ظواهر وتجارب مفصلية في تاريخ الأمم والشعوب، فنقف مذهولين، متعجبين من هذه التحليلات والتأويلات العلمية والفكرية والفلسفية لهذا النوع من العلوم الإنسانية، ثم يزداد اتساع قوس دهشتنا المعرفية هذه حين نجد أن تلك القراءات ليست جديدة، بل وضعها كتّاب وأدباء قبل عشرات السنوات، ونجد أنها حقل معرفي قديم، ولولا الترجمة ربما لم نعرف شيئاً عن هذه الثقافة الفكرية المدهشة. وعند قراءتنا لما هو قديم وجرى البحث فيه منذ عقود، ينطبق علينا القول الذي يفيد بأننا ذاهبون إلى الحقول بمناجلنا، فيما يعود المزارعون من الحصاد.
الروائي الألماني إلياس كانيتي حائز على نوبل في عام 1981، كتب عن تلك الظواهر في عام 1962، ولكننا عرفنا هذه الكتابة في عام 2024، حيث صدرت الطبعة الأولى من كتابه «ضمير الكلام» وليس ضمير المتكلم، والفرق كبير بين الكلام والمتكلم، وصدر الكتاب بترجمة كاميران حوج عن دار رامينا للنشر في لندن.
يكتب كانيتي عن ظاهرة الطغاة، وخوف الطاغية من الموت حتى على يد أحد أبنائه، ويقول: لذلك، وجد طغاة لم يرغبوا في إنجاب الأولاد، ويسرد لنا في هذا الإطار النفسي القصة التالية عن أحد ملوك زوكو في جنوب إفريقيا، واسمه شاكا الذي لم ينزع من قلبه الخوف من الابن.
يقول كانيتي: «كان شاكا متزوّجاً بألف ومئتي امرأة يلقّبن رسمياً ب(الأخوات). حَظَرَ عليهن الحمل حظراً باتّاً وفرض عليهن عقوبة الموت. كانت أمّه الإنسانة الوحيدة التي يحبها، ولا يستغني عن مشورتها، تودّ لو كان عندها حفيد، ولما حملت إحدى النساء سرّاً أخفتها الأم في منزلها وعاونتها على ولادة ابنها، ترعرع الابن في ظل جدّته سنوات عدّة، وخلال زيارة قام بها شاكا في يوم من الأيام لأمّه، رآها تلعب مع غلام، أدرك أنه ابنه وقتله من فوره».
ويضيف كانيتي أن شاكا رغم قتله لابنه لم ينج من القدر الذي يخشاه، وَعِوَضَ أن يُقْتَل على يد ابنه، اغتاله اثنان من إخوته في الثالثة والأربعين من عمره.
يقول كانيتي إن موسوليني كان يسمّي شعبه احتقاراً بالخراف، وإن الهدف الفعلي للطاغية أخرق ولا معقول، إنه يريد أن يكون الأوحد، يريد أن يبقى حيّاً على رميم الآخرين.
في هذه المادة لم أنتبه إلى سيكولوجية الطاغية ورغبته المرضية في الخلود والبقاء، بل انتبهت إلى الرؤية المبكرة التي كتب بها كانيتي عن ظاهرة الطغيان، وذلك في الستينات من القرن العشرين، قرن الشبكة المهولة من ظواهر تراجيدية مرعبة، لم يكتب عنها أحد من العرب بهذه الطبيعة السردية الجميلة.
[email protected]
«شاكا» وزوجاته الألف
27 يناير 2026 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 يناير 00:03 2026
شارك