من الأمور التي قد نلاحظها في عصرنا الحديث أننا حين نقف أمام الخيارات المتاحة أمامنا، نظن أننا نمتلك كامل الحرية في انتقاء ما يناسبنا، لكن الحقيقة قد تكون أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. قد نجد أثناء يومنا أننا نختار المنتج الأغلى ثمناً ليس لأنه الأفضل أو الأكثر نفعاً لنا بل لأن هناك خياراً ثالثاً وضع بجانبه خصيصاً ليجعل هذا القرار يبدو وكأنه صفقة ذكية لا تعوض. وعلى الأغلب، عقولنا لا تجيد تقييم الأشياء في معزل عن سياقها، فنحن كبشر نفضل الاستناد إلى نقطة للمقارنة لكي نشعر بالاطمئنان تجاه ما نختاره.
هذا الميل النفسي هو ما يطلق عليه «تأثير الشَّرَك» حيث يتم التلاعب ببوصلة اختياراتنا عبر إضافة خيار غير جذاب يهدف فقط إلى تلميع صورة خيار آخر لدفعنا إلى أن نختاره منذ البداية. نحن نقع في هذا الفخ لأننا نقارن الخيارات المتاحة بعضها ببعض بدلاً من تقييم كل خيار بناء على قيمته الذاتية الفعلية. هذا الانحياز يحولنا من مشترين يبحثون عن الجودة إلى باحثين عن الانتصار في مقارنة وهمية صممت بعناية لتوجيهنا نحو هدف محدد.
لقد وثق العلم أيضاً هذه الظاهرة في دراسات تتناول مفهومنا عن اتخاذ القرار. وفق تجربة ضمن دراسة بحثية أجراها الباحث جويل هوبر من جامعة ديوك تم اختبار سلوك المستهلكين عند المفاضلة بين خيارين مختلفين في القوة والسعر ثم إدخال خيار ثالث (الشرك) يكون أقل جاذبية بوضوح من أحد الخيارين ولكنه يقاربه في السعر. ووجد الباحثون أن وجود هذا الشرك دفع المشاركين بشكل جماعي نحو اختيار الخيار المتفوق عليه، ما زاد من مبيعاته بشكل غير متوقع، وذكر الباحثون في دراستهم أن «إضافة خيار ثالث أدنى من خيار موجود ولكنه متفوق بوضوح على خيار آخر يزيد بشكل كبير من جاذبية الخيار المتفوق».
لو فكرنا في الأمر على مدى أكثر شمولية لوجدنا أن هذا التأثير لا يقتصر على خياراتنا في شراء المنتجات الاعتيادية مثل الملابس أو الوجبات، بل يمتد ليشمل قراراتنا المصيرية في الحياة والعمل. إننا غالباً ما نقع في حيرة الاختيار ليس لنقص في المعلومات بل لأن الخيارات المعروضة أمامنا مرتبة بطريقة تجعل أحدها يبدو كمنقذ أو كفرصة ذهبية مقارنة بغيره. إن الوعي بوجود هذا الشرك هو الدرع التي تحمينا من الانقياد خلف المقارنات السطحية وتمنحنا القدرة على رؤية الاحتياج الحقيقي بعيداً عن الخيارات المصطنعة.
الحكمة تقتضي منَّا أن نتوقف قليلاً أمام كل قرار، ونطرح سؤالاً صادقاً: هل أنا بحاجة لهذا الخيار فعلاً لذاته، أم أنني اخترته فقط لأنه بدا أفضل من خيار آخر سيئ وضع بجانبه؟ إن استعادة استقلاليتنا تبدأ من إدراكنا أن القيمة الحقيقية للأشياء لا تكمن في كونها أفضل من غيرها في لحظة مقارنة عابرة، بل في مدى انسجامها مع جوهرنا وأهدافنا.
[email protected]