محمد إسماعيل زاهر
على مدار عقود طويلة كان الوصول بالمنتج الثقافي إلى الناس إشكالية هيمنت على كتابات الكثير من المحللين والمُنظّرين، كُتبت فيها الدراسات وعُقدت لها الندوات والأمسيات، كان البعض يرفض تبسيط الثقافة حتى لا تفقد جوهرها، وكان البعض الآخر يطالب بالارتقاء بذائقة الجمهور حتى يستطيع التجاوب مع الثقافة الجادة أو الثقيلة، وهنا نشأت إشكاليات أخرى عديدة قتلت بحثاً دارت حول الطابع النخبوي المنعزل للمثقفين، أو رصدت العلاقة المتوترة والتي سادها التربص بين المثقف والجمهور، وعلى الهامش وفي جزء من المنتج الثقافي، وخاصة الذي يتسم جانب منه بطابع تجاري مثل السينما والمسرح، كان فريق ثالث يبتعد عن هذه الإشكاليات والأزمات وينزل بالثقافة وسط الجمهور بحجة «الجمهور عاوز كده».
الصورة السابقة كانت مهيمنة على الساحة الثقافية العربية قبل أن تدخل التكنولوجيا على الخط، والتي سبقها عقد كامل من تراجع الثقافة الرصينة... حيث تجمعت الظروف كلها لنكون في العقد الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين على موعد مع ثقافة جديدة، لا تزال ملتبسة، لا نعرف أبعادها أو آليات عملها، ثقافة تختلف جذرياً عن مرحلة الحداثة وحتى ما بعد الحداثة، وهنا باستطاعتنا أن نلصق كل أوجه القصور التي نعيشها الآن بالتكنولوجيا، وما أسهل ذلك؟ ولكننا عندما نفعل ذلك نتجاوز مسألتين مهمتين، الأولى أن الثقافة، وهنا نقصد الثقافة النخبوية من حراك نقدي وفكري ومنتج أدبي وفني موزون، كانت وصلت إلى طريق مسدود قبل زمن التكنولوجيا فائقة الحداثة، طريق تميز بعدة سمات: أزمة في النقد، غياب لمعظم رموز الثقافة العربية وعجز مجتمعاتنا عن إفراز قامات أخرى، مقولات تروج وتردد ونجدها كل يوم في الإعلام حتى ترسخت وباتت حقائق مثل سلسلة موت المثقف ومتوالياتها: موت الناقد ونهاية الأفكار الكبرى، وغيرها.
المسألة الثانية أنه في نهاية هذا الطريق المسدود لم نجد علامة ترشدنا إلى طريق آخر، ولكننا صادفنا التكنولوجيا فائقة الحداثة وروادها من أجيال شابة تلقت تعليماً مختلفاً، نظراً لعوامل اجتماعية واقتصادية عدة، وكانت عبر العولمة والتكنولوجيا على تواصل مع ثقافة العالم بمفرداتها المختلفة كثيراً عن البيئة العربية، كانت أجيالاً بتكوين مغاير تستخدم أداة مختلفة في مواجهة نخب محملة بثقافة جادة، أو عتيقة من منظور هذه الأجيال، وكانت الأدوات التي تحملها هذه الأجيال لا تمثل امتداداً للثقافة القديمة أو تطويراً لها، ولكنها أدوات ذات ثقافة أخرى تماماً سواء رضينا بهذا الأمر أم لا، تقبلناه أم انعزلنا عنه ورفضناه ووضعنا رؤوسنا في الرمال.
في مرحلة الثقافة القديمة أو الجادة، بتعبير الأجيال الأكبر، كانت هناك أزمة طاحنة في معدلات القراءة في العالم العربي كشفت عنها تقارير عدة، ومن السهل كما قلنا سابقاً أن نسير وراء «نقاد التكنولوجيا»، ونقول إن هذه الأخيرة مسؤولة عن أزمة القراءة، ولكن تسلسل الأحداث يقول إن الأزمة قديمة، ولكن ما حدث مع الثقافة الجديدة، التكنولوجيا فائقة الحداثة، أن القراءة أصبحت ذات طابع خاص سواء في الشكل أو الأسلوب، باتت سريعة ومتشظية وتقتصر على أنماط معينة أغلبها الحكي الإمتاعي المشوق ولذلك تنتشر الرواية، ونوعية خاصة منها، ومع هذه التكنولوجيا بدأت تنتشر كتابات من نوع جديد لا علاقة لها بالفكر المجرد أو الأسئلة الكبرى أو وجود الإنسان، ولكنها كتابة يتقاطع فيها اللحظي بالوجداني بالإرشادي والتوجيهي بالتجارب الذاتية.
نحن لا نزال نقف تعترينا حيرة كبرى أمام ما تفعله التكنولوجيا بنا، ولا نريد أن نعترف أننا على أعتاب ثقافة جديدة، كل شيء فيها مختلف، حتى قواها الفاعلة تحولت من المثقفين إلى المؤثرين، ولا نزال نحلم أن تلك التكنولوجيا مجرد أداة بإمكاننا أن نوجهها كيفما نشاء، ولا نريد أن نقر أنها أعمق من ذلك، هي محتوى متكامل يتناقض مع مفهومنا للثقافة الجادة أو التقليدية، ولأنها أداة ومحتوى وعالم مختلف، فإن جمهورها مختلف بدوره، وهي تقدم وعوداً رائعة ولكنها ليست لنا، الأجيال الكلاسيكية الأقدم، وعودها تلبي احتياجات جمهور جديد له نظرة تتباين تماماً مع نظرتنا للأمور ورؤيتنا للعالم، وكل ما نتمناه أن تحافظ تلك التكنولوجيا على حد أدني من الثقافة الجادة، ولو بأشكال مختلفة، فالمتابع يرى في الأفق أننا مقبلون على مرحلة تسود فيها «التفاهة»، إن لم تكن قد سادت بالفعل.