حظي المنتدي الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا هذا العام باهتمام أكبر من المعتاد، ليس بسبب القادة الكبار الذين شاركوا فيه فحسب، وإنما لما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وغيره. ورغم أنه لم يكن هناك جديد فيما ذكره ترامب في خطابه المطول، ولا حتى فيما ذكره غيره من المتحدثين، إلا أن التعليقات والتحليلات على المنتدى كانت واسعة «التنظير» ربما بأكثر مما جاء في ذهن ترامب أو غيره.
غلب على التعليقات والتحليلات، استنتاج أن «النظام العالمي»، كما ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية منتصف القرن الماضي، قد انتهى وأنه «تم دفنه» في دافوس هذا العام. وتباينت الآراء بشأن «نظام عالمي جديد» يجري ترسيخه ما بعد دافوس. إنما كان الإجماع على أن النظام العالمي القديم ينتهي بالفعل.
استحسنت أصوات خافتة كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن «الدول الوسيطة» التي يمكن أن تشكل نظاماً عالمياً جديداً يحل محل النظام أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة.
بداية، نشير إلى أن النظام العالمي ينتهي بالفعل منذ ثمانينات القرن الماضي. ليس فقط بنهاية الحرب الباردة وتفكك المعسكر الشرقي وحلف وارسو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبقاء حلف الناتو تقوده القوة العظمى الوحيدة الباقية، أمريكا. إنما لأن ذلك تزامن أيضاً مع جهود «خلخلة» أسس الدولة الوطنية المستقلة التي بني عليها النظام العالمي.
فالسياسات الاقتصادية استهدفت النيل من الطبقة الوسطى، التي هي لبنة الدولة الوطنية الأساسية، بزيادة الفجوة باستمرار بين الأغنياء جداً والفقراء، وتراجع مستويات التعليم والتركيز على الرأسمالية المالية وقطاع الخدمات على حساب الصناعة والزراعة والتجارة. أما في السياسة فإن محاولات «تمييع» مفهوم سيادة الدول، أولاً بصعود ما سميت «المنظمات غير الحكومية» وتعاظم دورها بالتأثير في السياسات والقوانين ثم عمليات التدخل في شؤون الدول المستقلة تحت ذرائع مختلفة، مضللة ومزيفة في أغلبها.
ولم تتوقف التعليقات والتحليلات على مدى العقود الماضية حول «نظام عالمي جديد»، وكلها بالطبع تستند إلى ما تفعله أمريكا وتحالفها الغربي في العالم. وكان نصيب منطقتنا سخياً من تلك المحاولات، وأبرزها ما سمي «استراتيجية الفوضى الخلاقة» مع غزو العراق واحتلاله على يد تحالف أنجلو-ساكسوني.
ثم جاءت اضطرابات ما سمي ب«الربيع العربي» ومحاولة تيارات أصولية متطرفة اختطاف الاحتجاجات الشعبية في دول المنطقة لإيجاد موطئ قدم لها في «نظام عالمي جديد». ومع فشل تلك التيارات ولفظها شعبياً، قادت أمريكا وحلفاؤها الغربيين حملة مكافحة الإرهاب في تحالف أوسع. وأخيراً جاءت حرب أوكرانيا والحرب التجارية الأمريكية لتحجيم روسيا والصين واستعادة ريادة أمريكا للعالم اقتصادياً، إلا أن كل ذلك لم يؤد إلى «نظام جديد».
صحيح أن ما تفعله إدارة الرئيس ترامب يفاقم «خلخلة» النظام القديم. فالانسحاب الأمريكي من مواثيق ومنظمات دولية، من اتفاقية باريس للمناخ إلى منظمة الصحة العالمية وغيرهما ستترك كل تلك الأطر الدولية قريبة من نهايتها. كما أن سعي إدارة ترامب للاستيلاء على نفط فنزويلا وتغيير النظام في كوبا وإيران والسيطرة على غرينلاند من الدنمارك وغير ذلك، هي محاولات «فرض هيمنة بالقوة»، لكنها لا تعني تشكل «نظام عالمي جديد».
أوروبا أدركت أن الاستمرار في « إرضاء ترامب» لن يجلب لها سوى المزيد من الضغط الأمريكي، فقالت لا لمحاولات السيطرة الأمريكية على أرض دانماركية، لكن ذلك لا يعني أن أوروبا يمكن أن تشكل «قطباً» في نظام عالمي جديد.
بالتالي، فرغم التهديدات بانهيار حلف شمال الأطلسي «الناتو» إلا أن ذلك يبدو أمراً بعيداً حتى الآن.
لا توجد مؤشرات على أن «الدول الوسيطة» التي أشار إليها كارني من الصين إلى البرازيل قادرة على، أو حتى راغبة في التصدي لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأطراف.
إن منتدى دافوس هذا العام لم يقض تماماً على النظام العالمي القديم ولا طرح نظاماً عالمياً جديداً. إنما هي حلقة، من حلقات، ضمن مرحلة انتقال للبشرية ما زالت مستمرة توفر فرصاً وتثير قلاقل.
[email protected]
لا نظام عالمياً من «دافوس»
28 يناير 2026 01:41 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يناير 01:41 2026
شارك