وجدت هذه الملاحظة الصغيرة على كتاب اشتريته يوم 1988/7/6، وهو مختارات شعرية لبول أيلوار ترجمة الدكتورة سامية أحمد أسعد، كان صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والإعلام آنذاك في العراق عام 1986، وتقول الملاحظة المكتوبة بحبر أسود: «ذكريات ذلك المساء في معرض كتاب أقامه يوسف غيشان في بهو الكنيسة، عندما أغلق يوسف المعرض ليلاً، حوالي التاسعة مساءً، وأظلم البهو الكنسي، كان ثمة راهبة تعبر العتمة، بصمت، ذلك المساء رأيتها، وقد كنت ابتعت هذا الكتاب لبلول أيلوار».
هل من المهم أن أنقل إلى القارئ ملاحظة صغيرة مكتوبة على صفحة كتاب قبل نحو 38 عاماً؟ مهنياً وواقعياً ليس من المهم، ولكن بعض الأشياء الصغيرة تكبر حين تتعلّق بالذاكرة والتاريخ الشخصي البسيط تماماً بالنسبة للإنسان، فها هو كاتب هذه السطور وكاتب تلك الملاحظة يعود بذاكرته إلى سلسلة الكتب التي كانت تصدر عن وزارة الثقافة العراقية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. طباعة مهمة حرفية، وعناوين ثقافية نوعية، وأسعار رمزية.
هل بقيت وزارة الثقافة بمسمّاها ذاك إلى الآن في بغداد؟ وهل تُصدر الآن كتباً عراقية من نوع المختارات الشعرية لبول أيلوار؟ وأين ذلك الزمن العراقي الثقافي الذي كان يعمل فيه شعراء مثل يوسف الصايغ؟ أما يوسف غيشان، الشاعر والكاتب الساخر والعاشق الكبير للضحك (والنسيان)، فقد قرأت عن عمل روائي أو «سِيَري» صدر له مؤخراً بعنوان «ملحمة علهامش»، وهو يقصد (علهامش) باللهجة الدارجة وليس (على الهامش) الفصحى، وهو يحاكي بهذا العنوان «ملحمة جلجامش»، لكن كتاب يوسف يتحدث عن الهامشيين المهملين على الأرصفة، وليس عن أنكيدو وجلجامش الباحثَين عن الخلود، إذ يكفي الهامشي الحيّ تحت خط الصفر حياة كريمة صغيرة، ليكون خالداً.
أسس يوسف غيشان إلى جانب صديقه محمد طملية فن الكتابة الساخرة في الصحافة الأردنية في ثمانينات القرن العشرين، وكانت مغامرة صحفية وثقافية، إذ كيف تجعل الشخصية الأردنية الجادّة (جداً) تضحك، وبعض الضحك عيب على الرجال، فكيف على النساء، لكن الثقافة وخفة الروح تصنعان مادة الضحك، حتى لو كان ضحكاً كالبكاء.
كنت أقرأ يوسف غيشان بشغف في «الدستور»، حيث عملنا معاً في تلك الصحيفة العريقة، وما زلت أقرؤه أينما كان، المسيحي الإنساني الطيب ابن مأدبا مسقط رأسي ورأسه، وسوف أتذكر الآن، بعدما قرأت ملاحظتي القديمة تلك، أن أوّل بيت سكنّاه في مأدبا، كان قريباً من الكنيسة التي اشتريت منها بول أيلوار.
[email protected]
ملاحظة على الهامش
28 يناير 2026 01:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 يناير 01:02 2026
شارك