ماذا لو ظهر في مهنة الصحافة تقليد جديد يلزم بموجبه الكاتب بأن يخصص مقالة من وقت إلى آخر يذكر فيها أخطاءه مهما كانت هذه الأخطاء، لغوية أم نحوية أم بلاغية أم معلوماتية أم تاريخية وحتى لو كانت أخطاء أخلاقية تتصل بقيم المهنة وضوابطها الثقافية والأدبية؟ وذلك كلّه من باب الشجاعة الذاتية أو ما يُسمّى النقد الذاتي، وهو أمر يحتاج أولاً إلى جرأة، وثانياً يحتاج إلى ثقة عالية بالنفس وبالذات وبالشخصية الكاتبة.
تجربة مثل هذه التجربة الصحفية تكون الأولى من نوعها في تاريخ صاحبة الجلالة، إن لم تكن قد سبقتها تجارب من هذا النوع الصحفي النقدي، وبخاصة عند كتّاب الأعمدة، وهم كتّاب رأي، والرأي من شجاعة الشجعان.
وهنا، سأبدأ بنفسي أولاً، ولكون المرء بشرياً بطبعه وليس ملاكاً ولا مثالياً مطلقاً، فقد أخطأْتُ، ومن أخطائي أنني أنسى أحياناً أو الحقيقة أنني لا أعرف تاريخ ميلاد كاتب ما رحت أقتبس منه قولاً أو جملة تخدم المقالة أو الموضوع الذي، أكتبه، وأحياناً أُخطئ أو أنسى ذكر اسم المترجم الذي أنقل الاقتباس من نصّه المترجم، وأُخطئ حين أكرر الاقتباسات من كتّاب بأعينهم مثلما حصل معي في زاويتي اليومية «رفيف» خلال الشهر الماضي، فقد كررت الاعتماد على نصوص بعينها للشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون، والروائي الألماني إلياس كانيتي، وأخطأت حين لم تسعفني الذاكرة لأعتمد على كتّاب عرب، وأحياناً، من باب السرعة أُخطئ في معلومة معينة حين أضع ثقتي بالشبكة العنكبوتية التي ليس كلّها موضع ثقة، وهكذا، تعلمت من أخطائي بأن أقلعت تماماً عن العودة إلى أي معلومة دقيقة مصدرها الحاسوب، فلا أثق إلّا بالكتب، وبالتالي، وبحكم العادة ومتطلبات المهنة عليّ أن أقرأ يومياً نحو 100 صفحة أو أكثر، وهو رقم متواضع، لكنه منتظم، ويعني قراءة 3000 صفحة في الشهر..
«أخطائي»، أو «أخطائي في شهر» أو «أخطائي في أسبوع» أو «أخطائي في سنة» تتحوّل إلى مادة صحفية منبعها الكاتب نفسه، وليس عيباً أن يعترف الكاتب بأخطائه، ويذكرها، وينشرها في مقالة، ذلك أن الذي لا يكتب هو وحده من لا يُخطئ، هذا أولاً، وثانياً، أليس من الأشرف للكاتب أن يدل على خطئه بنفسه، قبل أن يدل عليه الآخرون؟ وإذا كان الآخر لا يشير إلى أخطائك، فهذا لأنه لا يمتلك منبراً صحفياً مثلك، وربما لا يريد أن يضعك ويضع اسمك الكبير في خانة الإحراج لك أنت أيها الطاووس في مملكة صاحبة الجلالة.
مهنة الصحافة، أو بعض مؤسساتها ضَخّمت رؤوس بعض العاملين فيها، وبخاصة أولئك الذين أصبحت لهم في ليلة وضحاها أعمدة وزوايا ومقالات يومية أو أسبوعية وفي منابر مرموقة تطرح الكثير من الأخطاء التي تحتاج إلى شجاعة الاعتراف، ومرة ثانية، بل ألف مرّة، البعض من هؤلاء وليس الكل.
[email protected]