قتلوا، وفجروا، ونحروا، ومارسوا السبي، وارتكبوا الفظائع والموبقات من نسف للمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والأسواق الشعبية والمتاحف والقضاء على كل مظهر حضاري، واستولوا على مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا، وأقاموا ما يسمى «دولة الخلافة الإسلامية»، ورفعوا راية الدين زيفاً وبهتاناً على مدى سنوات «الفوضى الخلاقة» التي ابتدعتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، ثم انتهوا عام 2019 بعد هزيمتهم، في السجون والمخيمات في شمال شرق سوريا.
هؤلاء ليسوا سجناء عاديين، أياديهم ملطخة بدماء آلاف الأبرياء الذين قضوا بلا ذنب ارتكبوه. ينتمون إلى عشرات الدول التي أرسلتهم إلى ديارنا لبث الفوضى والتخريب، وممارسة الإرهاب بمختلف أشكاله، بهدف تدمير الأوطان، وضرب وحدتها الوطنية، وتمزيق عرى مكوناتها والقضاء على سيادتها.
كانت «الفوضى الخلاقة» واحدة من أبرز المفاهيم والأدوات التي استخدمتها إدارة الرئيس بوش، وشكلت رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، بما يتماشى مع المصالح الأمريكية عبر إثارة النزاعات والصراعات، لتفكيك الدول والأنظمة والجيوش والمجتمعات التي تراها واشنطن «غير ديمقراطية».
وانطلاقاً من هذا الهدف تم في عام 2011 تصدير آلاف المتطرفين الإرهابيين إلى كل من سوريا والعراق للقيام بالمهمة الموكلة إليهم. ووفقاً للأمم المتحدة فإن أعداد هؤلاء بلغ نحو 40 ألفاً، قدموا من 110 دول، لكن البيانات الموثقة التي نشرها المركز الدولي لدراسات التطرف التابع ل«كينغز كوليدج» في لندن تشير إلى عدد أكبر، إذ تتحدث عن 41,419 ألف أجنبي فقط من 80 دولة (بواقع 32,809 من الرجال و4,761 من النساء و4,640 طفلاً).
الآن، وبعد أن تخلت «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية (قسد) عن حماية السجون والمخيمات التي كانت في عهدتها، حيث كان يقبع سجناء «داعش» وعائلاتهم في 26 موقعاً، تمكن المئات من الدواعش من الفرار إثر الاشتباكات التي وقعت بين القوات السورية النظامية وقوات قسد مؤخراً، في حين تم تسليم الآلاف من المعتقلين إلى العراق بموجب اتفاق تم بين الحكومة العراقية وكل من واشنطن ودمشق، حيث أودع هؤلاء في سجون عراقية.
القضية لم تنته هنا، بل بدأت تداعياتها تظهر بشكل أخطر، خوفاً من أن يبدأ الذين فروا من السجون في إعادة تنظيم أنفسهم، على شكل خلايا سرية و«ذئاب منفردة» تنتشر مجدداً في المنطقة والعالم، وتشكل بالتالي قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت.
وإذا كان العراق وافق على استقبال نحو 7 آلاف «داعشي» على دفعات، إلا أنه لا يستطيع تحمل عبئهم وخطرهم وحده، لذلك دعا رئيس الوزراء العراقي محمد الشياع السوداني المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤوليته القانونية والأمنية عبر تسلم عناصر «داعش» الذين يحملون جنسياته، على أن يظل بقية «الدواعش» في الأراضي السورية بإشراف القوات الحكومية.
يذكر أن هناك نحو ما بين 3900 إلى 4300 من مواطني الاتحاد الأوروبي التحقوا بصفوف «داعش»، أغلبهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا، إضافة إلى الآلاف الذين وفدوا من منطقة القوقاز ودول آسيوية.
لم يعد بمقدور سوريا والعراق وكل دول المنطقة تحمل عبء ومخاطر هؤلاء، وبات على الدول التي يحمل «الدواعش» جنسياتها أن تستردهم، لأن البضاعة التي قامت بتصديرها إلينا في إطار انخراطها في «الفوضى الخلاقة» فاسدة ومسمومة.