د. صلاح الغول
لعل القراء الأعزاء يشاركونني ملاحظة أنّ ثمة حملة إعلامية ممنهجة تقودها خلايا إخوانية ونفوس مغرضة تريد أن تنال من الدور الإقليمي الإماراتي النشِط وصورتها الخارجية الناصعة. وهذه الحملة ما هي إلا امتداد لسلسلة من الحملات التي تعرضت لها دولة الإمارات من قبل، وأدارتها قيادتها الرشيدة ومؤسساتها الدبلوماسية والإعلامية بحكمة بالغة ومهنية فائقة.
وقد بينتُ في مقال سابق على صفحات «الخليج»، بتاريخ 13 نوفمبر الماضي، أنه ليس مطلوباً من المواطنين مواجهة هذه الحملة أو الانخراط في سجال الشوارع الافتراضية مع أصحابها، بل ترك الأمر لقيادة تملك رؤية متبصرة ومؤسسات ذات حنكة دبلوماسية للتعامل معها. ولكني اليوم أضيف أنّ من أهم واجبات المواطنين هو الترويج لمعالم البوصلة الوطنية الإماراتية، أو ما يُطلق عليها «السرديّة الوطنية».
وتتلخص معالم البوصلة أو السرديّة الوطنية الإماراتية في تقوية الاتحاد وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، والحفاظ على القيم الإماراتية الأصيلة وفي مقدمتها الأسرة والمجتمع، والاستثمار في البشر كونه المحرك الرئيسي المستقبلي للنمو. علاوة على ذلك، تركز سرديّتنا الوطنية على استدامة التنمية والازدهار، والريادة التكنولوجية مع الجمع أو التوازن بين الأصالة والمعاصرة، والاستقرار والحكم الرشيد. ويُعطي موجهو بوصلتنا أهميةً خاصة لتمكين ثقافة التسامح وخطاب الوسطية والأخوة الإنسانية ومكافحة التطرف، والانفتاح والتعاون والتضامن الدولي، بما في ذلك استمرارية الجهود الإنسانية.
وتتصدر الأولويات الوطنية جميعاً تقوية الاتحاد، من مؤسسات وتشريعات وصلاحيات وميزانيات، وتعزيز الهوية الجامعة وروح الوحدة بين أبناء الوطن، وتقوية الولاء للقيادة الرشيدة، وتحقيق التنمية العمرانية والاقتصادية المتوازنة بين كافة مناطق الدولة.
وتتحدد البوصلة الوطنية بالقيم الإماراتية الأصيلة، مثل النخوة والشهامة ومساندة الآخرين وعدم التخلي عنهم وقت الشدة والعطاء والتطوع والعزم والشرف. وتحظى قيم الأسرة والمجتمع والحفاظ على الموروث الثقافي، لا سيما تراث الشيخ زايد رحمه الله، بأهمية خاصة في هذا الصدد. وقد أولى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، دور الأسرة أهمية فائقة، وتم تخصيص عام 2026 ليكون «عام الأسرة»، كون الأسرة خط الدفاع الأول عن الهوية والقيم الوطنية. وكان سموه قد خصص العام السابق عليه ل«المجتمع» تحت شعار «يداً بيد»، بهدف تقوية التلاحم والتكاتف المجتمعي كونه حائط الصد الأول للتهديدات التي تستهدف الوطن، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، والحفاظ على التعددية والتنوع الثقافي الذي يميز المجتمع الإماراتي.
وثمة تركيز في السرديّة الإماراتية أيضاً على قيم الحداثة والريادة التكنولوجية، مع المزاوجة والتوازن بين الأصالة والمعاصرة. وتتلخص قيم الحداثة في الاحترافية والكفاءة والتنافسية والابتكار وإعمال الخيال. وقد تبنّت دولة الإمارات منذ تأسيسها رؤية طموحة لبناء الإنسان، وضع ركائزها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ف«الإنسان هو أساس أي عملية حضارية»، والعمل على الارتقاء بقدراته وإمكانياته هو الهدف الذي ترتكز عليه خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
والبوصلة الإماراتية موجهة نحو استدامة التنمية في كافة المجالات وتعزيز الازدهار الاقتصادي الطويل الأمد، واستدامة الاستقرار السياسي والحكم الرشيد. وبالنسبة للتوجه الأخير، الذي يقع في قلب عملية التنمية السياسية، فيقوم على الحفاظ على الأمن والأمان، وسيادة القانون، والشفافية والمحاسبة، والقنوات المفتوحة بين الحاكم والمحكوم، في إطار حكومة مرنة استباقية تخطط للمستقبل وتسهم في صناعته.
ويُعطي موجهو بوصلتنا الوطنية أهمية خاصة لتمكين ثقافة التسامح ودعم خطاب الوسطية والأخوة الإنسانية ومكافحة التطرف في الداخل والخارج. ولا يكاد يخلو حديث عن معالم التجربة التنموية في دولة الإمارات من الإشارة إلى ما يتمتع به مجتمعها المتنوع ثقافياً من تسامح بين جميع عناصره، وجهود قيادتها الرشيدة في تعزيز قيم الأخوة الإنسانية والتعايش بين الدول والشعوب.
وأخيراً، وليس آخراً، يأتي الانفتاح والتعاون والتضامن الدولي، بما في ذلك استمرارية الجهود الإنسانية، في قلب السرديّة الوطنية الإماراتية. والحق أنّ تبوُّء دولة الإمارات مكانة مرموقة وتأثيراً ملحوظاً في العلاقات الدولية يرجع إلى انفتاحها على حضارات العالم وثقافاته، وعلى التجارب الاقتصادية المختلفة. غير أنّ أهم ما يسم سرديتنا الوطنية هو البعد الإنساني، الذي يُعد مكوناً أصيلاً في النموذج التنموي الإماراتي، فقد أصبحت دولة الإمارات من كبار المانحين الدوليين، سواء فيما يتعلق بالمساعدات الإنمائية أو الإنسانية أو الخيرية. وقد بيّن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، في هذا الصدد، أنّ دولة الإمارات تواصل نهج المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الذي جعل الدبلوماسية الإنسانية بعداً أصيلاً في السياسة الخارجية الإماراتية. والخلاصة، فبدلاً من الانخراط في سجال افتراضي عقيم، يجدر بنا، كلٌّ في موقعه، في البيت والمسجد والمدرسة والجامعة ومقر العمل، أن ننخرط في مناقشات بناءة عن مرتكزات البوصلة الوطنية الإماراتية وتوجهاتها، وأن نعمل بها ونسعى للترويج لها في الداخل والخارج، في العالم الواقعي والعالم الافتراضي.