نور المحمود
نتمنى أحياناً لو يتم إحصاء عدد الأشخاص الذين يعتمدون اليوم على مواقع وصفحات «استشارات» في مجالات حياتية مختلفة وعلى «تشات جي بي تي» لمساعدتهم في اتخاذ قرارات مهمة وأحياناً مصيرية؛ فكلما سألت سؤالاً أو طرحت فكرة تجد من يرد عليك بمعلومات وإجابات مبنية على رأي «روبوتي» وافتراضي، ويتبنّى النظرية والرأي ويدافع عنه بشراسة وهو مقتنع تماماً بأن خلف هذا الجهاز وهذا التواصل الإنترنتي عقل إلكتروني ذكي موثوق به، أو أشخاص ولو كانوا افتراضيين ولا معرفة شخصية وحقيقية بهم إلا أنهم يدلون بدلوهم وفق تجارب!.
إلى أي درجة يمكن الوثوق بما يقوله «تشات جي بي تي» وبالمعلومات التي يعرضها علينا خصوصاً حين يتعلق الأمر بمسائل حساسة واتخاذ قرارات مصيرية؟ كل التجارب أثبتت أن هذا «الذكاء الاصطناعي» الذي يتصدر قائمة المجيبين على أي سؤال أو بحث نجريه على «غوغل»، يدلي بما يخزنه من معلومات ويعرض المتوفر أمامه، ولا يملك من الذكاء البشري ما يسمح له بفرز المعلومات وفق ما يتناسب مع كل حالة، فهو يملي علينا ما يمكن تطبيقه في العموم ولا يمكن اعتماده بديلاً في الاستشارة المرضية الصحية البدنية والنفسية ولا وسيلة لحل المشاكل الشخصية والاجتماعية والعاطفية أو العائلية، ولا بديلاً لإعمال العقل وبذل المجهود سواء في حل الواجبات الدراسية أو في القيام بالواجبات المهنية واتخاذ القرارات في العمل؛ كما لا يمكن تسليم أنفسنا ومصالحنا ومصائرنا لمهب الرياح الإلكترونية وما تحمل معها من خدع وتشويش ناجم عن آراء تتوالى من غرف دردشة وصفحات تدعي إتاحة مساحة لعرض تجارب شخصية ومشاكل لأشخاص مجهولين لا يحملون أسماء حقيقية ولا هوية واضحة..
قبل أشهر قرأنا عن المراهق الأمريكي آدم راين ابن الـ ١٦ عاماً الذي انتحر بعد عدة استشارات وتواصل مع «تشات جي بي تي» قدم له مقترحات وتفاصيل عن كيفية إنهاء حياته، واليوم نقرأ عن مورينو، الذي أقيل من منصبه كمدرب لفريق سوتشي الروسي في سبتمبر الماضي، بسبب اعتماده المفرط على «تشات جي بي تي» في اتخاذ القرارات وتخطيط التدريبات لفريقه والتعاقد مع لاعب جديد.
واقعة مورينو لن تكون الوحيدة، فالأيام المقبلة ستكشف عن أخطاء يقوم بها البشر يكون السبب الأول فيها إلغاء العقل وتسليم أنفسهم والاستسلام للذكاء الاصطناعي كي يوفر عليهم المجهود، أي مجهود قد يبذلونه؛ يسلمون له أنفسهم وينساقون لإرادته ويكتفون بالجلوس على مقاعدهم داخل بيوتهم وغرفهم، ثم يحصدون الندم بعد فوات الأوان. حتى غرف الدردشة التي تندرج تحت مسميات العلاج النفسي تخفي خلفها أقنعة كثيرة وآراء لا تكلف أصحابها سوى بعض الوقت يخصصونه للفتى وتحديد مصائر الآخرين عن بُعد وبلا أي مسؤولية، علماً أنهم قد يتسببون بضرر لأحد اللاجئين إليهم لا يتحملون أياً من عواقبه.