من هو الكاتب «اللقّاط»؟ أجتهد في القول إنه ذلك الكاتب الذي يلقط أو يلتقط فكرة من هنا، ومن هناك، أو يلتقط معلومة من هنا، أو من هناك، و«الهنا والهناك» هما جهاز الكمبيوتر أولاً وأخيراً، هذه النعمة التكنولوجية لبعض الكتّاب الذين يدوخ الواحد منهم من فوره إذا قرأ أربع صفحات من كتاب.
ليسمح لي القارئ هنا أن أشبّه الكاتب اللّقّاط بالغراب، هذا الطائر العجيب الذي يحمل كل شيء بمنقاره من الوردة إلى الرمّة، ويعود بهما إلى أمّه.
اليوم نحن في زمن ثقافة الذكاء الاصطناعي، وقبله عشنا ونعيش زمن «جوجل» ومواقع المعرفة التكنولوجية السريعة في منصّات الإنترنت، وهي ثقافة خطِرة، وقد يؤسفك القول إن هذه الثقافة الجاهزة السهلة أسهمت وتسهم في اتساع الأُمّية الحديثة المعاصرة، أُمّية الحداثة وما بعد الحداثة، تلك الأمية التي أوجدت ظواهر العجز عن البحث الثقافي في الكتب، ونشرت حالة الاتكالية الباردة على المنصّات الكمبيوترية في حال البحث عن المعلومات، وأتحدث هنا عن المعلومات الأدبية.
يكفي الكاتب «الغراب» أو «الكاتب اللقّاط»، ويمكنك أن تسميه أيضاً «الكاتب الهجين»، أن يضع عبارة (تلخيص رواية كذا..) على «جوجل»، لتندلع أمامه في الحال مئات العناوين والمواد والكتابات والتعليقات، بدءاً من الكتابات العائدة إلى أفلام رصينة موثوقة، وانتهاء بالكتابات المسلوقة، كتابات ما يُسمّى التواصل الاجتماعي، وهو وصف بالغ الرداءة، ذلك أن هذه المنصّات هي أوّل من توجد ثقافة القطيعة، وليس التواصل، وذلك، لاعتمادها على حرية ثقافية فالتة تغذّيها نفسيات انفعالية مريضة.
يبدأ «الكاتب الغراب»، أو «الكاتب اللقّاط - الهجين»، بتجميع مادة مركبة من أكثر من مصدر كمبيوتري، ثم يقوم بعملية تدوير ذكية لهذه المادة التجميعية، وبالطبع، يقوم في الوقت نفسه بالتدخل من جانبه في هذا الخليط الهجين من الحيثيات الأدبية الجاهزة التي يوفرها له الكمبيوتر في أسرع وقت، من دون حاجته مطلقاً إلى الكتب، الأمر الذي دفعني للقول إن الكمبيوتر يسهم أحياناً في نشر الأمية الثقافية الحديثة.
الآن أصبح أمام «الكاتب الغراب»، أو «الكاتب اللقّاط» صورة تشكيلية مكتملة مجمّعة من أكثر من أب وأم، هي بالضبط مادّته الثقافية المطلوبة عن رواية أو عن ظاهرة أدبية محدّدة تحتاج إلى كل هذا العمل الهجيني التجميعي.
جملة واحدة من ثلاث أو ست كلمات في مادة «الكاتب الغراب» أو «الكاتب اللقّاط» تفضحه بسرعة حين تحيل هذه الجملة إلى «جوجل» الذي يفتح لك من فوره تلك الصفحة التي نقل أو التقط منها الكاتب اللقّاط.
هذه الحالة الكمبيوترية الالتقاطية الهجينية جعلت هذا الكاتب المسكين يبتعد عن الكتب وقراءتها، وأوجدت ظاهرة معاصرة جديدة اسمها اليوم في العالم «ثقافة الغراب».