د.حسن مدن
في سنة دراستي الأولى بجامعة القاهرة عام 1975، أدمنت متابعة شيئين في الصحف المصرية اليومية، حينها. الأول، توقعات الأبراج التي لا تكاد صحيفة تخلو منها، واقفاً أمام ما يكتب تحت البرج الذي يفترض أني منتمٍ إليه، ، أتفاءل بما كتب تحته إذا كان باعثاً على التفاؤل، وأتشاءم حين يكون التوقع نقيضاً، أما الشيء الآخر، فهو محاولة حلّ الكلمات المتقاطعة، في نوعٍ من التمرين لتنشيط قدرة الذهن على التذكّر والتفكير.
ومع الوقت، انقطعت عن العادتين، فلم أعد أثق بما يقوله «المنجمون» من كتبة توقعات الأبراج، وفقدت الصبر على محاولة حلّ الكلمات المتقاطعة التي اختفت من الصحف منذ زمن، خاصة مع تراجع عادة تصفح الصحف الورقية لدى القطاع الأكبر من القراء.
يقوم تمرين الكلمات المتقاطعة، كما نعلم، على ملء المربعات البيضاء بالحروف التي تتشكل منها الكلمات – القرائن، فيما وظيفة المربعات السوداء فصل الكلمات، والمرجّح أن صفة «متقاطعة» آتية من المفردة العربية: تَقاطع، التي تعني، حسب أهل اللغة، «الالتقاء أو التشابك أو الانفصال بين شيئين، وتتضمن معاني مختلفة بحسب السياق، مثل: مفترق الطرق في حركة المرور، نقطة التقاء الخطوط في الهندسة، الاجتماع في نقطة واحدة في نظرية المجموعات، أو الهجران بين الأشخاص»، وهي على ما نرى دلالات تحتمل الشيء ونقيضه، حسب السياق الذي ترد فيه المفردة.
ولعل «الكلمات المتقاطعة» بالذات، تحمل في طياتها شيئاً من هذا التناقض، فالكلمة التي تتشكل عمودياً من حروف نختارها بعد تفكير، قد تكون مناقضة للكلمة التي تتشكل أفقياً من حروف تتقاطع معها في خانة أخرى من خانات المربع الذي علينا تعبئته كاملاً.
تعليقاً على المخاوف من تراجع شعبية الكلمات المتقاطعة مع زيادة الإقبال على المواقع الإلكترونية والاعتماد على التواصل الاجتماعي عبرالهواتف الذكية، قرأتُ قولاً لأكاديمي أجنبي، اسمه مايكل شارب، يفيد بأن هذه الكلمات المتقاطعة لن تموت في المستقبل، لكنه يتوقع أن تواجه المزيد من العقبات مع مرور الزمن، مشيراً إلى أنها توجهت لأجيال تعودت على شراء الصحف اليومية، وحل الكلمات المتقاطعة في أوقات فراغها، لكن هذه «الرفاهية» لم تعد متاحة لأجيال عصر السرعة.
ولأن اللغة ماكرة في دلالات مفرداتها، قد يصحّ القول إننا حتى ولو خرجنا من مربع «الكلمات المتقاطعة» بلونيه الأبيض والأسود، فإننا دخلنا في متاهة التقاطع في كل شيء، فلم نعد نتبين أين الواقعي، وأين الافتراضي، وأين الحقيقي، وأين الزائف.