رضا السميحيين

أمر عجيب هذا الاتكال المفرط على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كل مناحي الحياة من قبل الكثيرين، الكل يريد إجابات جاهزة وسريعة، لدرجة أن أكثر كلمة تسمعها هذه الأيام عند الحديث عن أي شيء «اسأل الذكاء الاصطناعي»، أمهات تستشيره لتربية الأبناء، طلاب المدارس يعتمدون عليه في حل واجباتهم، مريض يحاول استكشاف حالته الصحية من عرض طارئ، شركات توظف الذكاء الاصطناعي لكتابة مراسلات البريد الإلكتروني، التصميم سواء الهندسي أو الجرافيكي وغيره أيضاً يتم باستخدام الذكاء الاصطناعي أو بمساعدته، حتى العشاق يطلبون من الخوارزميات اقتراحات ل«رسائل الحب».
نحن نغوص أكثر وأكثر في عملية تجهيل للعقل البشري، تصبح فيها عقولنا مع الوقت متكاسلة وتتجنب التجربة والخطأ ومستسلمة للإجابات الجاهزة، وهنا يكمن الخطر في اختفاء «التفكير الإبداعي» ذلك العمل الذي يبنيه الدماغ بتكرار المحاولات والفشل، وهنا يؤكد علماء العصبيات في دراسة نشرها باحثون في 2023، أن الاعتماد الطويل على أدوات البحث الرقمية، يضعف قدرة الإنسان على القراءة العميقة والحفظ، حيث تصغر لدى من يفرط في استخدامها حجم المادة الرمادية في «الهيبوكامبوس» أو الحصين كما يسمى، وهو جزء مهم من مكونات الدماغ البشري، مرتبط بمهارات الحفظ والاسترجاع من الذاكرة، إضافة إلى مهارات التنقل وتمييز الاتجاهات وربط المعلومات.
لا بد لنا من إدراك حقائق العلم وعدم التهاون بها، وإذا كنا نهتم بالرشاقة والصحة البدنية، ودفع اشتراكات النوادي الرياضية، فحري بنا أيضاً الانتباه لصحة وسلامة أدمغتنا، ولعل المرحلة المدرسية واحدة من أهم المراحل التي يجب تكثيف الجهود للتوعية بمخاطر تعطيل العقول عن التفكير والبحث والاستنتاج، فمن غير المقبول ما نشهده من اتكالية متزايدة من قبلهم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحولهم إلى مستهلكين سلبيين للمعرفة.
نريد ثقافة عربية مؤثرة في المشهد الثقافي العالمي، وليس تابعاً أعمى فقط، لذا نحتاج إلى عقول قادرة على إنتاج وتطوير أفكار يخلّدها التاريخ، عقول لديها قدرة إبداعية تتطور طبيعياً بالبحث والتجربة.
بطبيعة الحال لا ندعو إلى الرجوع لزمن الكتابات اليدوية والصفحات الورقية، لكل مقام مقال، لكن الحذر واجب، فالمشهد من حولنا ينذر أن الأزمة الثقافية والمعرفية تبدأ من الجذور ومن العمق، ويجب علينا تعلم متى نضع حدوداً للتقنية التي تفتقد للروح والإحساس، فنحن أمة تمتلك إرثاً ثقافياً عريقاً، وأعيننا مفتوحة على المستقبل، بيد أن الغد ينتظر من يفكر برأسه وليس برأس «chat gpt».