إذا كان قطاع غزة شهد منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 واحدة من أبشع حروب الإبادة في التاريخ المعاصر على يد القوات الإسرائيلية، ما أثار غضباً واستنكاراً عالمياً غير مسبوق، ودفع العدالة الدولية للتحرك واتهام قادة إسرائيليين بارتكاب جرائم حرب، فإن الضفة الغربية المحتلة شهدت نوعاً آخر من حروب الإبادة المتدرجة، لكن وسط صمت دولي مريب وتأييد أمريكي، بهدف تفكيكها وإعادة تركيبها بما يخدم مشروع الضم الذي يشكل صلب مشروع التوسع والتهويد الإسرائيلي.
ليس صحيحاً أن الإدارة الأمريكية لن تسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية. هذا كلام للاستهلاك ومحاولة لإسكات الأصوات المعارضة للضم، إذ إن ما يجري على الأرض بعلم هذه الإدارة، من فرض للقانون الإسرائيلي على الضفة، وتوسيع للاستيطان وتشريعه، وقضم للأرض وتهجير للسكان، وإقامة المستوطنات، وتفجير المنازل أو تهديد أصحابها بتركها، والاقتحامات المتواصلة للمدن والقرى والمخيمات وترويعها، كلها تعكس إصرار إسرائيل على الانتقال من منطق الاحتلال إلى منطق السيادة الدائمة. وهذا التحول يعني عملياً إعادة تعريف الضفة الغربية من «أرض فلسطينية» هي جزء من «الدولة» التي يطالب بها العالم ويعترف بها، إلى جزء من المجال السيادي الإسرائيلي، رغم ما يمثله من انتهاك صريح للقانون الدولي وللقرارات الدولية ذات الصلة. وإذ تقدم إسرائيل على ذلك، فلأن الردع الدولي غائب والدعم الأمريكي حاضر، ما يجعل من كلفة الضم أقل من التراجع.
لقد وظفت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الخطاب الديني لتبرير مشروع الضم، باعتبار أن الضفة هي «أرض الآباء والأجداد» لتوفير الغطاء للاستيطان باعتباره حقاً تاريخياً غير قابل للتفاوض.
إن إسرائيل تقوم بضم فعلي للضفة من دون إعلان رسمي، وهي ليست بحاجة إلى الإعلان الآن، ما دامت قادرة على ذلك متى شاءت، كما أن عملية التطهير العرقي تتم بوتيرة متصاعدة وبصمت، في واحدة من أبشع العمليات في التاريخ، حسب توصيف صحيفة «هآرتس» التي نشرت تقريراً تفصيلياً رصدت فيه عمليات الاستيطان والتهجير التي تتسارع وتيرتها بشكل غير مسبوق. والتقرير ثمرة جولة ميدانية نظمتها «حركة السلام الآن» الحقوقية الإسرائيلية لمجموعة من صحفيي «هآرتس»، وتصف مشاهد الجولة الميدانية واقعاً مرّاً، حيث تجبر العائلات الفلسطينية على حزم أمتعتها القليلة والرحيل إلى المجهول، تحت وطأة اعتداءات المستوطنين اليومية.
ووفقاً للصحيفة، فإن التهجير لا يحدث تحت رصاص جيش الاحتلال فحسب، بل من خلال استراتيجية «الخنق الاقتصادي» والترهيب الذي يمارسه مستوطنون ومجموعات منظمة تحظى بغطاء سياسي رسمي.
وينقل التقرير عن الناشط الإسرائيلي أمير بانسكي قوله: «إن ما يحدث في المنطقة (ج) هو «أسوأ تطهير عرقي في التاريخ» يتم تسجيله بالصوت والصورة، حيث ترتكب الجرائم «وجهاً لوجه» ضد فقراء يتم حرمانهم من أبسط مقومات الحياة كالمراعي والمياه.
كل شيء مخطط له ومنظم من دون ارتجال، حيث تتم مصادرة الأرض وإقامة المستوطنات وتشييد «طرق الفصل العنصري» المصممة لربط المستوطنات ببعضها، وتسهيل حركة الإسرائيليين، والتضييق على الفلسطينيين ومحاصرتهم لإجبارهم في نهاية المطاف على الهجرة.
في الضفة الآن 147 مستوطنة و191 بؤرة استيطانية تضم أكثر من 487 ألف مستوطن يهودي تم استيرادهم لفرض سيادتهم على الأرض ومن عليها.. في عملية تغوّل استيطاني متسارعة بات من الصعب مواكبتها.
حرب إبادة و«تطهير عرقي»
31 يناير 2026 00:20 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 يناير 00:20 2026
شارك