تطل الحرب بأثقالها ومخاوفها على الشرق الأوسط كله، لا إيران وحدها، تحت عنوان واحد: «سلام القوة». إنها الاستراتيجية المعتمدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعاطي مع الملفات الملتهبة بالمنطقة والعالم.
«سلام القوة» يعني- بالضبط- دفع الأعداء المفترضين إلى حافة خيارات ضيقة بين التلويح باستخدام الحد الأقصى من القوة المدمرة، أو التسليم بمقايضات جائرة وفق ما تطلبه القوة الأمريكية المتغلبة.
لم يكن إرسال حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» إلى المنطقة محض استعراض للقوة، ولا تلويح بإمكانية الحرب على إيران دون نية استخدامها. الحرب واردة تماماً في أي لحظة، لكنها قد لا تحدث إذا ما جرت في الكواليس الخلفية مقايضات تحقق للولايات المتحدة أغلب، أو بعض، ما تريده من أهداف دون إطلاق رصاصة واحدة.
إسقاط النظام في إيران هدف جوهري، لكن يمكن تأجيله لمرحلة لاحقة، فالكلف باهظة وسيناريوهات الفوضى المتوقعة يصعب تحملها بأي نظر سياسي، أو استراتيجي. تتبقى بعد ذلك أهداف جوهرية أخرى أهمها، المشروع النووي والمشروع الصاروخي الباليستي.
الأول، بالتقويض.. والثاني، بالتقليص.
إذا كان ممكناً التوصل إلى مقايضات بشأنهما مقابل عدم اللجوء إلى العنف المطلق، الذي يتوعد به ترامب فإن فرصة عقد صفقة، أو مقايضة، تظل على المائدة. إنه الخيار الأسلم للمصالح الأمريكية، لكنه يقوض في الوقت نفسه مشروعية النظام وينذر بانهياره من الداخل.
تفكيك الدور الإقليمي الإيراني وأي علاقة تربطه بالمنظمات المسلحة، التي تناهض إسرائيل ك«حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين، و«حزب الله» في لبنان، و«الحوثيون» في اليمن هدف جوهري آخر ل«سلام القوة».
المعنى- بالضبط- إعلان استسلام لا بحثاً عن سلام إلا أن يكون «سلام القوة». لم يكن مستغرباً والأمر كذلك- أن تتشدد طهران في خطابها المضاد ردعاً بردع وتلويحاً بالعواقب: «سيكون ردنا موجعاً».
حسب وزارة الخارجية الإيرانية فإنه إذا كان ثمن منع الحرب بالمقايضة يفوق ثمن اندلاعها، فإنهم سوف يمضون في التحدي إلى آخر الشوط. هذا اختبار قوة يختلف في حجمه وتداعياته عن اختباري فنزويلا وغرينلاند.
الكلفة- هذه المرة- باهظة والنتائج كارثية. بافتراض الوصول إلى المرشد الأعلى علي خامنئي على النحو الذي جرى مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فإن النظام لن ينهار، ولن تعقد في طهران صفقات مماثلة لتلك التي جرت في كاراكاس. الأرجح أن تضرب الفوضى كافة أنحاء المنطقة. لا بديل جاهز، أو مهيأ، لحكم إيران.
اللافت في الاختبار الإيراني، وقوف الاتحاد الأوروبي في نفس الخندق، الذي تقف فيه الإدارة الأمريكية. صنّف «الحرس الثوري» ك«منظمة إرهابية» وفرض عقوبات جديدة على إيران استهدفت أفراداً وكيانات.
بدا الموقف الأوروبي المتناقض في علاقاته مع الإدارة الأمريكية بين أزمتي غرينلاند وإيران نوعاً من التوظيف السياسي لتقليل فجوة الخلافات في الأولى لصالح التصعيد المتزامن دون تحمل أي أعباء استراتيجية في الثانية.
بذات التوقيت تحرك لاعبون دوليون وإقليميون للتوسط بين واشنطن وطهران.
الأطراف الدولية، خاصة روسيا والصين، يعرضان التدخل للعودة إلى موائد التفاوض.
حسب الكرملين: «فرص التفاوض مع إيران لم تستنزف بعد».. فيما ترامب يؤكد مراوغاً المعنى نفسه: «الخيارات كلها مفتوحة».
الأطراف الإقليمية كلها تتحسب من النتائج الوخيمة على مصالحها وأمنها إذا نشبت الحرب.
دول الخليج كلها بلا استثناء واحد أبدت رفضها للحرب خشية تداعياتها بالغة الخطورة على أمنها المباشر. مصر ودول أخرى تداخلت في الملف لمنع الحرب.
عرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وساطة بلاده رهاناً على علاقات خاصة تربطه بالرئيس الأمريكي، في محاولة لتجنب حرباً مدمرة قرب حدوده.. وتعويلاً على تفاهمات أخرى استجدت وصلت ذروتها إلى تقليص وزن قوات سورية الديمقراطية (قسد) في المعادلات السورية بقوة السلاح. كان ذلك تغييراً جذرياً في التحالفات وفق المصالح المتغيرة.
أمام سيناريوهات الحرب الوشيكة يجد ترامب نفسه في ورطة محكمة، فهو يطلب أن يوصف ب«رجل السلام» بينما ينخرط عملياً في حروب على جبهات متعددة بذريعة «سلام القوة».
الأمريكيون لا يؤيدون في أغلبيتهم هذا المنحى السياسي الخطِر، الذي قد يكلف حزبه الجمهوري خسارة الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل.
باسم «سلام القوة» قد تتضرر المصالح الأمريكية بأكثر من أي توقع ويتصدع تماماً شعاره «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».
مقايضات ومواجهات «سلام القوة»!
1 فبراير 2026 01:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 فبراير 01:04 2026
شارك