في مثل هذا الشهر من عام 2022 أطلقت روسيا ما أسمته «عملية عسكرية خاصة» في أوكرانيا، ومن اسمها الذي ما زالت موسكو تصرّ عليه، توقع المحللون والمعنيون حول العالم أنها ستستمر أياماً أو أسابيع، ولكنها امتدت وستتم عامها الرابع في الرابع والعشرين من فبراير/شباط الجاري، وخلال هذه المدة تناثرت شظاياها على العالم، وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي بعد أن تأثرت بها سلاسل الإمداد وممرات التجارة العالمية.
العملية الروسية الخاصة، استفزت أوروبا وأمريكا ليعلن الغرب حالة الاستنفار الاقتصادي وتمويل أوكرانيا حتى تواصل التصدي للقوات الروسية بل والهجوم أحياناً، بجانب توقيع العقوبات الاقتصادية على روسيا، والتي شملت مختلف المجالات ووصلت إلى الرياضة والفنون، كما أعلن الغرب حالة الاستنفار العسكري الذي تمثل في تنافس دوله على مد أوكرانيا بما تنتجه مصانعها وما تستورده من غيرها من أحدث الأسلحة، بجانب إعلان حلف الناتو استعداده للتدخل في حال تجاوز الضربات للحدود الأوكرانية، ناهيك عن الاستنفار الدبلوماسي الذي لم يدخر جهداً في مساعي محاصرة روسيا سياسياً بالقدر الممكن. تباينت مواقف دول العالم تجاه هذه الحرب، فمنها من انحاز إلى أوكرانيا ودعمها، ومنها من انحاز إلى روسيا واصطف بجانبها دبلوماسياً وسياسياً وعسكرياً، ومنها من وقف على الحياد السلبي الذي أغلق آذانه وعيونه ولجم لسانه عن الخوض فيها أو إعلان موقف بشأنها.
وعلى مدار السنوات الأربع غيرت بعض الدول مواقفها حسب مصالحها وحسب التغيرات في قياداتها وإداراتها، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة التي انقلبت على نفسها بعد عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، وبعد أن كانت من أكبر الداعمين والممولين لإطالة الحرب أملاً في هزيمة روسيا، قررت بذل الجهود للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإبرام اتفاقية سلام بين روسيا وأوكرانيا.
الدولة التي اختلفت عن غيرها، واتخذت موقفاً ثابتاً يتوافق ونهجها الدائم لنشر السلام وتحقيق الاستقرار في العالم هي الإمارات العربية المتحدة، وهو أمر من ثوابت الدولة منذ إنشائها، وأكدته في أحد مبادئ «وثيقة الخمسين» التي وضعتها مرجعاً لجميع هيئاتها ومؤسساتها للخمسين الثانية من عمرها المبارك وحتى الاحتفال بمئويتها في عام 2071، وينصّ على أن «الدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل كافة الخلافات هو الأساس في السياسة الخارجية لدولة الإمارات، والسعي مع الشركاء الإقليميين والأصدقاء العالميين لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، يعتبر محركاً أساسياً للسياسة الخارجية»، ومن هذا المنطلق كانت الوساطة الإماراتية على مدار سنوات الحرب لتبادل الأسرى، والتي أسفرت عن 17 صفقة تبادل، أسفرت عن إطلاق آلاف الأسرى من الطرفين.
الإمارات دولة تصنع السلام وتنبذ الصراع، تطفئ الحرائق وتناهض تجار الموت، لا تنحاز لأحد وترفض الوقوف في صفوف المتفرجين، ومواقفها تجاه الحرب الأوكرانية الروسية شاهدة عليها، ومواقفها الداعمة للحق الفلسطيني وجسورها الإنسانية لن تتوقف، وتصدرها لقائمة الدول المانحة للمساعدات الإنسانية في المؤشرات العالمية وثيقة تقدير للدور الإماراتي الإنساني.
بعد النجاحات التي حققتها الإمارات في ملف أسرى أوكرانيا وروسيا، كان طبيعياً أن يتوسع دورها ويزداد تأثيرها وتتخذ الدولتان ومعهما الوسيط الأمريكي من أبوظبي العاصمة مكاناً للتفاوض واللقاء بحثاً عن مخرج من هذه الأزمة التي طال أمدها، وهو ما يجعل الإمارات تسهم في صناعة الحدث وصياغة الخبر الذي تنتظره قارات الدنيا منذ اندلاع الحرب، خبر التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بعد أن تحولت الولايات المتحدة من دولة منحازة إلى دولة محايدة تسعى بكل السبل للمساهمة في إخراج روسيا وأوكرانيا والعالم من هذه الأزمة.
ثم تلتقي وفود الدول الثلاث مرة أخرى في أبوظبي في جولة جديدة تبني على ما تم إحرازه من تقدم في الجولة الماضية، والتي وصفها الرئيس الأوكراني فولديمي زيلينسكي ب«البناءة» معرباً عن امتنانه للدور الإماراتي ولجهود صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عبر حسابه على منصة «إكس»: «أنا ممتن لدولة الإمارات، وشخصياً لرئيس الإمارات، على وساطتهم واستعدادهم لاستضافة المزيد من المحادثات».
أهم ما يميز الإمارات ويؤكد فاعلية دورها في هذا الملف، أنها تحظى بتقدير قيادات الدولتين المتصارعتين والوسيط الأمريكي، لذا لم تكتفِ بأن تكون أبوظبي مجرد مكان للقاء الوفود الثلاثة، ولكن رئيس الدولة حرص في أول أيام الجولة السابقة على استقبال المفاوضين من الدول الثلاث، وأكد «دعم دولة الإمارات لجميع الجهود والمبادرات الرامية إلى إيجاد حل للأزمة الأوكرانية يلبّي مصالح جميع الأطراف».
الإمارات دولة تؤمن بالحوار وسيلة لحل الأزمات الإقليمية والعالمية، ولا تدخر جهداً لنشر السلام وإرساء الاستقرار في جهات الأرض الأربع، واليوم تتجه أنظار العالم إلى أبوظبي بعد أن أصبحت الأمل والمدينة التي يمكن الإعلان منها عن التوصل إلى حل لصراع طال كثيراً.

[email protected]