رضا السميحيين
يمثل الشعر النبطي ملمحاً من ملامح الهوية الثقافية والاجتماعية في العديد من الدول العربية، ويحتل مكانة خاصة في وجدان الإنسان العربي، ويعود ذلك إلى خصوصيته اللغوية التي تعتمد على اللهجة المحكية، بمفرداتها المألوفة من دون تكلف، وبنفس شعري سلس، يسجل أحداث الزمن وتفاصيله، وينقل الأخبار والحكايات، فنجده أقرب إلى النفس، وأصدق في التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية بأحزانها وأفراحها، حاضراً عبر الأجيال يعزز القيم البدوية الأصيلة كالشجاعة والمروة والكرم، محافظا على اللهجات المحلية والتراث الشفهي العريق.
تبعاً لهذه القيمة والأهمية فقد اهتم الباحثون منذ عقود بتتبع جذور القصيدة النبطية، وتعددت حولها الدراسات والآراء، فمنهم من يرى أنها امتداد للشعر العربي الفصيح في بنائه الإيقاعي ولغته، لكنها تميزت بكونها وليدة البيئة البدوية، التي فضلت اللهجة الدارجة سريعة التداول، فيما يذهب بعض الدارسين إلى أن نشأتها كمصطلح ارتبطت بدولة الأنباط في شمال الجزيرة العربية، ورغبتهم في توثيق انتصاراتهم ونقل أخبارهم، وقد ارتبطت القصيدة النبطية في كثير من النماذج منذ بداياتها برواية الحكاية، لذا نجد كثيراً من القصائد تبدأ بالفعل المضارع «يقول»، ثم يبدأ الشاعر بسرد الأحداث أو الأخبار، ثم تطورت دلالتها لتشمل كل ما هو شعبي وعفوي من الشعر في بيئات العرب.
وفي هذا السياق التوثيقي يطل علينا مهرجان الشارقة للشعر النبطي، في دورته ال20 هذا العام، مكرساً مسيرة حافلة بالعطاء والتجديد في رعاية هذا الفن الشعبي الأصيل، ومنذ انطلاقته الأولى عام 1983 أخذ على عاتقه أن يبقى مساحة ومنبراً يجمع الشعراء والنقاد والجمهور، في تظاهرة ثقافية تؤمن بدور القصيدة النبطية في صون الذاكرة الشعبية وتوثيق الهوية الثقافية، وهو أمر جعل المهرجان يرسخ مكانته المهمة ضمن المهرجانات المتخصصة في هذا اللون الشعري، كما يعتبر من الروافد الهامة في المشروع الثقافي المتكامل للشارقة، في رؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
على مدى دوراته السابقة، كرس المهرجان دوره في خدمة القصيدة النبطية، من خلال إصدار مجلة الحيرة المتخصصة، لتشكل منبراً إعلامياً للشعر والشعراء، كما لعبت جائزة الحيرة للشعر النبطي دوراً فاعلاً في المشهد النبطي، مع حرص المهرجان على الاحتفاء برواد النبطي وشبابه على السواء، فقد كرم في مناسبات عديدة أسماء شعرية أسهمت في تشكيل وجدان القصيدة في الإمارات والخليج والعالم العربي، كما أضفى على دوراته نكهة خاصة بمشاركات نسائية أثرت المشهد الشعري، ومثلت دليلاً على شمولية هذا الفن الشعري وقدرته على احتضان المبدعين من الجنسين.
ولعل ما يميز تجربة المهرجان هو انفتاحها المتواصل على تجارب الشعراء في الوطن العربي، لتتلاقى في المهرجان تجارب شعرية من مختلف البيئات اللغوية والثقافية، كما أن الدور الأكاديمي حاضر بقوة من خلال عقد الندوات النقدية، وحلقات النقاش التي تستعرض الأساليب والرؤى الجديدة في بناء القصيدة النبطية، وتوثيق إنتاج الشعراء ما يساهم في نقل التجربة الشعرية من التداول الشفهي إلى الحفظ، وهو إنجاز ثقافي وحضاري يساهم في صون التراث من التبدد والنسيان.
الشارقة من جديد تعيد تذكيرنا بعمق الصلة بين الشعر النبطي والوجدان الشعبي، فالمهرجان، من خلال جمهوره الكبير يمثل فعلاً ثقافياً وروحياً، يعيش الناس من خلاله تفاصيل القوافي، في محطة شعرية تراثية تؤكد على استمرارية الرؤية الثقافية للإمارة، التي ترى في الشعر النبطي وسيلة لحفظ القيم والمعاني الأصيلة للأمة العربية، ومرجعاً لتراثنا العريق، ووثيقة تاريخية في اللغة والهوية والإبداع.