في زيارتي الأولى إلى متحف الشيخ زايد مع العائلة، لم أشعر بأنني في متحف أو مبنى ثقافي، بل أنني داخل ذاكرة وطن وروح قائد وحكاية أرض قررت أن تعرف نفسها جيداً قبل أن تُعرّف العالم بها.
من اللحظة الأولى، حين ترى متحف الشيخ زايد من بعيد، يفرض عليك البناء حضوره بهيبته المعمارية، أجنحته الممتدة تشبه أجنحة الصقر في لحظة تحليق، رمز القوة والبصيرة والحرية، وكأن البناء يستعيد صورة الشيخ زايد العاشق للصقور والذي كان، كما عرفناه، واسع الأفق، ومشدوداً دوماً نحو المستقبل.
يقع متحف الشيخ زايد في قلب جزيرة السعديات، الجزيرة الثقافيــة في أبوظبي، حيث يتجــاور مع أيقونــات ثقافيــة عالمية كبرى مثل «اللوفر أبوظبي»، و«جوجنهايم أبوظبي»، ومتحف التاريخ الطبيعــي أبوظبي، في مشهد حضاري نادر يجعل من الثقافة مشروع دولة لا مجرد واجهة معمارية. هذا الموقع لا يضيف للمتحف قيمة جغرافية فحسب، بل يضعه في سياق عالمــي يؤكد أن أبوظبــي اختــارت أن تنافس بالمعرفة، لا بالضجيج.
في الداخــل يأخــذك الفنــاء المهيب إلى حالة من الصمت والتأمل، الضوء محسوب، والمساحات مدروسة، وكل زاوية تحكي فكرة لا تُقال مباشرة بل تُفهم. قصة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، لا تُعرض بوصفها سيرة حاكم، بل بوصفها سيرة إنسان آمن بالاتحاد، وصنع من الحلم واقعاً، ومن القيم سياسة، ومن الإنسان أولوية.
وفي البهو الرئيسي تقف سفينة «مجان» كرمز ذكي وعميق، ليست قطعة تاريخية فقط، بل شهادة على أن هذه الأرض عرفت البحر والتجارة والتواصل مع العالم منذ آلاف السنين. وجودها في قلب المتحف يربط الماضي بالحاضر بهدوء، ويقول للزائر إن الإمارات لم تبدأ من فراغ، بل من تاريخ عميق وحضارة ضاربة في الجذور.
ما يلفت في متحف الشيخ زايد ليس جمال الهندسة وحده، بل الرسالة التي يحملها، وهي أن الاستثمار في الثقافة والمعرفة هو استثمار في الهوية والمستقبل معاً، وأن الفخر بالماضي ليس حنيناً، بل نقطة انطلاق، هكذا تمشي أبوظبي، وهكذا تمضي الإمارات، تعرف تاريخها جيداً، وتحترمه، ثم تنطلق بثقة نحو المستقبل.
MEalhammadi@