لم يعد دور الحكومات في عصرنا هذا يقتصر على إدارة الحاضر، أو بناء الطرق والمرافق، وتوفير الخدمات اليومية للمواطنين، وحسب. لقد توسعت المهام والمفاهيم لتصبح أكثر طموحاً، فالحكومة الناجحة هي التي تخرج من السياق الاعتيادي لتعيش في المستقبل، وتتوقعه قبل أن يأتي، وتستعد لتحدياته قبل أن تقع.
التطور أصبح سريعاً جداً في جميع المجالات، وهذه الفلسفة بالتحديد هي الجوهر الذي قامت عليه القمة العالمية للحكومات في دبي، والتي تحولت من مجرد حدث سنوي إلى منتدى فكري مفتوح يعيد تعريف وظيفة «الدولة» في القرن الحديث. عندما تنظر إلى جدول أعمال هذا التجمع العالمي ستجد أنها لا تتعلق بجوانب سياسية معتادة ومكررة، إنه تجمع يتبنى هندسة الفرص.
النقاشات لا تدور حول مواضيع اعتيادية، بل حول ما تحتاج اليه الدولة والمجتمعات، مثل: شكل التعليم بعد عشرين عاماً، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي لم تكتب بعد، مدن المستقبل التي ستؤوينا. إنه حوار استباقي يسعى لفهم المجهول بدلاً من الخوف منه. هذا التجمع السنوي ينجح ببراعة في كسر الجمود المعتاد في اللقاءات الرسمية. أنت هنا لا ترى سياسيين يتحدثون بلغة سياسية جامدة، بل ترى عقولاً تتبادل الأفكار الحديثة، خبيراً تقنياً يشرح لوزير كيف ستغير البيانات شكل وزارته، وعالم مناخ يضع حلولاً أمام صناع القرار الاقتصادي.
هذه القمة غير التقليدية هي ما يحتاج اليه العالم فعلياً، إنها الداعم الأول لدمج القرار السياسي بالمعرفة العلمية والرؤية التقنية. دولة الإمارات باستضافتها وقيادتها لمثل هذه الأحداث العظيمة والضخمة، لا تمارس دور المضيف التقليدي، بل تقدم نموذجاً حياً لمفهوم الحكومة المرنة، الإمارات هنا توصل رسالة إلى العالم مفادها أن مهمة الحكومات الحديثة تتجاوز إدارة الموارد ونحوها، بل تمتد إلى صناعة الفرص. الأهم من ذلك كله، الرسالة الضمنية التي تخرج بها القمة كل عام، التحديات التي تواجه البشرية، سواء كانت بيئية أو تقنية أو اقتصادية أكبر من أن تواجهها دولة بمفردها، مهما عظمت إمكاناتها. الحل يكمن في التعاون والتكاتف الجماعي العابر للحدود. المستقبل نتاج قراراتنا التي نتخذها اليوم. وفي دبي، يجتمع العالم ليقرر أن يكون هذا المستقبل مدروساً، آمناً، وأكثر إنسانية. العالم يحتاج إلى هذه القمة اليوم أكثر من أي وقت مضى. في زمن متسارع، وفي زمن التفرق، حيث يحتاج الجميع إلى طاولة مستديرة تجمع العالم، وهذا ما تقدمه الإمارات بمهنية ومسؤولية.