آخر الكلام

«الوقت لا يقاس بما يمر، بل بما نعيشه منه»

×××

لم يكن الزمن يوماً سريعاً كما نعيشه اليوم، بل نحن من فقدنا قدرتنا على السكن فيه. صار الوقت ينساب من بين أيدينا لا لأنه أقصر، بل لأننا نمرّ به مرور الغائب، لا الحاضر. نعيش الأيام ونحن مشغولون عنها، ونستيقظ داخلها دون أن نشعر بها، ثم نفاجأ بانقضائها وكأنها لم تكن.

في تفاصيل الحياة اليومية، يظهر هذا الغياب بوضوح. ننجز الكثير، لكننا لا نستمتع. نصل إلى أماكن كنا نحلم بها، دون أن نتذوق لحظة الوصول. نمتلك الأشياء، ولا نشعر بها كما ينبغي. كل شيء يحدث بسرعة: الحديث، الفرح، الحزن، وحتى الذكريات. كأننا نختصر التجربة خوفاً من أن تسبقنا، فنخسرها مرتين.

لم يعد الوقت مساحة للعيش، بل إطار للمهام. نقسمه، نضغطه، ونحمّله أكثر مما يحتمل، ثم نلومه حين يتفلّت. الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: نحن لم نعد حاضرين بما يكفي. لم نعد نصغي لما نشعر به، ولا نلاحظ ما يحيط بنا، ولا نمنح اللحظة حقها الكامل. هكذا، لا نشعر بالأشياء لا لأنها بلا قيمة، بل لأننا لم نعد نلامسها بوعينا.

في جوهر هذا التسارع يكمن العدو الخفي: إيقاع العالم نفسه. السوق، الإعلام، الإشعارات، المقارنات الدائمة، كل هذه الأصوات تعلمنا أن القيمة تقاس بالسرعة، وأن الوجود الطويل في لحظة هو ترف مرفوض. نحن نركض ليس خوفاً من الوقت فحسب، بل لأننا خائفون من أن نواجه الفراغ بين لحظة وأخرى، ذلك الفراغ الذي يطرح السؤال الحقيقي: هل نحن هنا حقاً؟ نتجنب الوقوف لأن السؤال أخطر من أي عجلة، وأكثر وجعاً من أي ضغط. وهكذا، لا يسرع الزمن، بل نهرب نحن إلى الأمام، نركض كي لا ننظر خلفنا، ولا داخلنا.

حين يغيب الحضور، يتسارع الزمن. وحين نفقد الاتصال باللحظة، تختصرنا الأيام. ليس لأن الحياة قاسية، بل لأننا نعيشها بعجالة، كما لو أننا نؤدي واجباً لا تجربة. الزمن لا يسرقنا، نحن من نغادره قبل أن نعيشه.

وفي النهاية، ليست المشكلة في سرعة الوقت، بل في غيابنا عنه، فالنصيحة الوحيدة الصادقة ليست أن نبطئ الزمن، بل أن نبطئ أنفسنا داخله، أن نعود إلى الإصغاء، وإلى التذوق، وإلى الشعور بما هو بسيط لكنه حقيقي، فالعمر لا يُقاس بما مضى، بل بما حضر. ومن لا يحضر لحياته، تمر به كما يمر الوقت، دون أن يشعر.

[email protected]