السجون أحياناً لا تكون عبارة عن قضبان حديدية، بل تكون سجوناً نفسية نقوم ببنائها في عقولنا بسبب تجارب الماضي، فنجد أثناء يومنا أننا نتوقف عن المحاولة في مشروع نحلم به، أو نتردد في إصلاح مشكلة، ليس لأننا لا نملك القدرة على التغيير، بل لأننا تعلمنا من موقف سابق أن محاولاتنا لا جدوى منها. يظهر اليأس بداخلنا ويبدأ بالتلويح، ليخبرك بأنه لا جدوى من المحاولة، ويقنعك بأن تلك الأبواب التي قد يكون من الممكن أن تفتح، هي أبواب مغلقة بإحكام.
علماء النفس يسمون هذه الحالة «العجز المكتسب»، وهي السبب الخفي وراء استسلام الكثيرين قبل حتى أن يبدأوا المعركة، فلا يعجز الشخص لأنه ضعيف، بل لأنه مر بظروف قاهرة سابقة فقد فيها السيطرة، فقام العقل بتعميم تلك الهزيمة على كل تفاصيل الحياة القادمة، حتى تلك التي نملك فيها زمام الأمور بالكامل.
وثّق العلم هذه الظاهرة في تجربة شهيرة غيّرت مفاهيم الكثير من الناس عن الإرادة، وهي دراسة بحثية أجراها الباحث دونالد هيروتو، حيث طبق مفهوم «العجز المكتسب» على 96 طالباً جامعياً. تم تقسيم المشاركين إلى مجموعات وتعريضهم لنغمة صوتية منفرة ومنحت المجموعة الأولى القدرة على إيقاف هذا الصوت، بينما وضعت مجموعة أخرى في موقف عجز حيث كان الصوت مستمراً ولا يمكن إيقافه مهما فعلوا.
وفي المرحلة الثانية تم نقل الجميع إلى اختبار جديد باستخدام جهاز محاكاة بشري، يسمح لهم بالهرب من الصوت وتجنبه. والمفاجأة كانت حدوث تكرار كامل لظاهرة «العجز المكتسب» عند البشر، حيث فشل الأشخاص الذين تعرضوا سابقاً لتجربة فقدان السيطرة في محاولة الهرب في المرة الثانية واستسلموا، بينما بادر الآخرون للنجاة فوراً. وقد ذكر الباحث في دراسته: «بما أن عدم القدرة على التحكم في الضجيج قد أعاق الهرب والتجنب، يُعتقد أن حالة مشتركة تكمن وراء ذلك، هي التوقع بأن الفعل والنتيجة مستقلان عن بعضهما»، بما معناه أنه ترسخت لديهم قناعة بأن أفعالهم لن تغير من الواقع شيئاً.
الدرس الأهم هنا هو أن العجز مكتسب، وما تم اكتسابه يمكن التخلص منه. إن الكثير من الحواجز التي نراها اليوم في حياتنا هي مجرد ظلال لتجارب قديمة انتهت. نحن بحاجة إلى إعادة اختبار واقعنا باستمرار، وألا نسمح لفشل الأمس بأن يملي علينا قدراتنا وحدودنا اليوم. حين ندرك أن الحاجز الذي أمامنا قد يكون وهماً في بعض المواقف سنكتشف أنه دائماً هنالك أمل.