يحيى زكي

هناك الآن انتشار ملحوظ لكتب تتناول الهراء، وباتت مفردات مثل الحمقى والتفاهة تتكرر كثيراً في الخطاب الفكري والأدبي، وسنلاحظ في هذا السياق عناوين عدة مثل «تاريخ عالمي للهراء» شارك فيه 34 مفكراً وأكاديمياً معظمهم من فرنسا، وكتاب «محاط بالحمقى»، وكتاب «نظام التفاهة».. إلخ.
هذا الحديث عن التفاهة والحماقة يعود في جزء كبير منه إلى نقد التكنولوجيا فائقة الحداثة وما جاورها من تغلغل للذكاء الاصطناعي وحياة لا يتصورها الكثيرون من دون مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن في عمق هذا النقد هناك رفض لصعود الشعبوية التكنولوجية، والتي تختلف بالتأكيد عن شعبوية سابقة اتسمت بقدر من الأيديولوجيا.
صحيح هناك وجود ملحوظ لبعض التيارات اليمينية على الأرض في عدة بلدان، ولكن هذه الأخيرة نشأت نتيجة اللجوء والهجرة وتحسس بعض الشعوب الأوروبية من الآخر الأجنبي، ولكن تلك قصة أخرى، أما الشعبوية التكنولوجية فهي فارغة من أي معنى ولا هدف لها ولا تمتلك أجندة معينة، وباتت محسوسة في الواقع الافتراضي وذات ثقل، ولكنها ملتبسة ومراوغة في الوقت نفسه، وسبب التباسها يكمن في عدم القدرة على رسم صورة واضحة لها، أو القطع بأسباب تشكلها.
إذا عدنا إلى التاريخ، بصفة عامة، وبحثنا في تراثنا أو تراث الغرب، فبإمكاننا بسهولة أن نقرأ للكثيرين الذين انتقدوا النزعات الشعبوية، والتي كانت مفردة تعبر عن كتل بشرية، تُعرف بالعوام، والبعض أطلق عليها أوصافاً قاسية، ولكنها كانت تتميز بسمات تنطلق من معرفة واضحة من قبل المنظر أو المحلل لملامح تلك الطبقة، حيث كانت تتميز بتواضع اقتصادي واجتماعي، ومستويات منخفضة من التعليم، ولم تكن أمامها أي مصادر للمعرفة، كانت طبقة نعرف الأسباب التي وقفت وراء تشكلها، ونعرف أنها تتسم بغياب النزعة العقلية ولا تُحكّم المنطق وتتبع أهواءها وعواطفها وتؤثر فيها الشائعات.
الآن ما يجعل الشعبوية التكنولوجية ملتبسة أننا أمام قطاعات واسعة من البشر، جزء كبير منها ينتمي إلى الطبقات العليا والوسطى، وجزء كبير آخر يتسم بتعليم ممتاز، وهناك مصادر للمعرفة لا حدود لتنوعها أو لما قد تتيحه من معلومات، ومع ذلك تتشابه في سلوكياتها مع «عوام» التاريخ، فما نشاهده من مقاطع مصورة وما نقرؤه من تعليقات وأفكار، وما يفاجئنا كل يوم من «ترندات» يؤكد أنه لا عقل أو منطق وراء هذه الأمور، وأن الأهواء والعواطف هما ما يحركان هؤلاء البشر، وأن مئات السنوات تفصل بين «عوام» الأمس واليوم لم يتغير فيها شيء، حتى على مستوى الذوق والخيارات الجمالية، وأن «عوام» اليوم لا يزالون غير قادرين على النقاش العقلاني ولا يستطيعون الحوار حول قضايا مهمة أو مصيرية، وأن وجهة نظر بعض النخب، في تلك الطبقة، صحيحة، إذ تتحسس من طرح بعض المسائل على هؤلاء العوام، وأن مقولة الغزالي التي أطلقها في القرن الحادي عشر «إلجام العوام عن علم الكلام» لا تزال صالحة في عصر الذكاء الاصطناعي.