د. ناجي صادق شراب
لقد تجاوزت حرب العامين على غزة الحدود الجغرافية الأصغر في العالم لتصل في تداعياتها إلى مصاف الحروب الكونية، ثم أنتجت ما يعرف بـ«مجلس السلام» وهدفه إدارة المنازعات الدولية والعمل على تسويتها، وهو ما يثير السؤال الذي يتم تداوله من قبل كل المحللين وهو هل المجلس بديل للأمم المتحدة؟ وهل يعتبر هيئة جديدة تشارك الأمم المتحدة مهامها ومسؤولياتها الدولية؟
المجلس وإن حمل وصف العالمية إلا أنه في الحقيقة يعكس طموح الرئيس ترامب الذي يترأس هذا المجلس وله صلاحيات وسلطات تنفيذية مطلقة تفوق صلاحيات الأمين العام للأمم المتحدة. إذ يرى الرئيس ترامب أن هذا المجلس أمريكي التكوين والهدف، ويتوافق مع عقيدة «أمريكا أولاً»، والأحادية الأمريكية. في النظام الدولي القائم الذي تجسده الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة ليست القوة الرئيسية والوحيدة فيه بل شاركها الاتحاد السوفييتي من خلال نظام ثنائي القطبية واستمر حتى نهاية الاتحاد السوفييتي وبداية بلورة النظام الأحادي الذي تسيطر عليه واشنطن من خلال قوتها وتسعى الصين وروسيا الآن إلى منافستها لبناء نظام دولي جديد يقوم على التعددية القطبية. فكان البديل بالنسبة لترامب إنشاء «مجلس السلام العالمي»، وهذا بفضــ ل غزة التي كانت بمثابة المفتاح والمبرر لإنشاء هذا المجلس برئاسة ترامب ومشاركة 60 دولة قابلة للزيادة بمساهمات مالية تفوق المساهمات التي تقدم للأمم المتحدة.
الغاية المعلنة لهذا المجلس هي وقف الحرب على غزة وإعادة إعمارها، وهذا الهدف كان يمكن تحقيقه من دون إعلان هذا المجلس، وهدفه المعلن كما جاء في وثيقته هو إدارة وتسوية المنازعات الدولية، أما الأهداف غير المعلنة فهي تصفية القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها وإعادة بناء الشرق الأوسط الجديد، ومن مظاهرها تحقيق حلم إسرائيل الكبرى واحتواء قوة إيران ونزع أسلحتها النووية والصاروخية، على أن يكون الشرق الأوسط هو المنطلق لبناء النظام العالمي الجديد الذي يقوم على المنافسة بين القوى الكبرى مع الاحتفاظ بقوة أمريكا الأحادية.
فالرئيس ترامب يريد نظاماً دولياً يعكس هذه الأحادية بوحدانية القرار الأمريكي على ألا تشاركه أي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التي لديها نفس حق الفيتو القادرة على إحباط أي مشروع أمريكي في المجلس، كما تشاركه 193 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي لها نفس قوة الصوت الأمريكي، وهذا ما يفسر لنا انتقاد ترامب للأمم المتحدة وانسحابه من 66 منظمة دولية.
الرئيس ترامب لا يستطيع أن يسقط الأمم المتحدة أو أن ينسحب منها، والبديل لذلك هو إنشاء «مجلس السلام»، والاسم يحمل الدلالات الكونية والعالمية التي تحملها الأمم المتحدة.
كانت غزه الفرصة الوحيدة التي من خلالها يمكن تحقيق ما يحلم به ترامب وأمريكا من رئاسة كيان دولي شرعي بفضل قرار مجلس الأمن رقم 2803 بإنشاء هذا المجلس، ووظيفة هذا القرار منح الشرعية الدولية له وهو ما يريده ترامب فقط من مجلس الأمن.
الدافع الحقيقي ليس غزة التي كان من السهل أن تقوم الأمم المتحدة بدورها لإنهاء الحرب، ولكن الهدف الحقيقي وغير المعلن هو تحقيق هدف إسرائيل الكبرى. والمفارقة هنا أن يدعو نتنياهو إلى عضوية المجلس ليمنح إسرائيل الشرعية ويمنحها المبرر لحربها، رغم أنها الطرف المباشر في حرب الإبادة التي تسببت في مقتل ما يقارب المئة ألف وإعاقة ضعف العدد وتدمير كل مقومات الحياة.
ترامب يريد أن يقدم نفسه من خلال هذا المجلس على أنه صانع السلام ورجل السلام، لكنه يحاول إخفاء الأهداف الحقيقية من السيطرة والهيمنة وتفريغ الأمم المتحدة من كل مكوناتها وتحويلها لمجرد هيكل أو تجمع عالمي بروتوكولي.
من مفارقات المجلس الربط بين العضوية الدائمة ودفع مبلغ مليار دولار، وهو ما يعني موازنة ضخمة يتحكم فيها ترامب كما يريد. وهذا يؤسس لمبدأ جديد للشراكة الدولية يقوم على المال وليس على الإرادة السياسية التي تقوم عليها الأمم المتحدة.