قبل سنوات كنت تركب المترو أو الباص في لندن فتجد أغلب من فيه بيده كتاب يقرؤه، سواء في الصباح في طريقهم إلى العمل أو في المساء عائدين من عملهم. الآن، أصبح من يقرؤون هم القلة القليلة وأغلب الركاب ينكبون على هواتفهم الذكية يتصفحون، وقليل من هؤلاء من يقرأ نصاً أو حتى صحيفة من تطبيق أو موقع. إنما في الأغلب يشاهدون فيديو. تعرف ذلك من سماعات الأذن التي يضعونها. ذلك التطور التكنولوجي الهائل صرف الناس عن «الكتاب» والنصوص المكتوبة عموماً كمصدر للمعرفة والثقافة.
قد يرى البعض أن هناك مشكلة في ذلك طالما استمر الإنتاج الفكري والإبداعي بغض النظر عن وسيلة التوصيل للجمهور. لكن إذا كان ذلك الوضع في الغرب، فما بالك بوضع الكتاب لدينا. ليس فقط الكتب، أدبية كانت أو غيرها، وإنما حتى الصحافة لم تعد تلقى إقبالاً من الجمهور من ناحية، وتراجعت قيمة محتواها من ناحية أخرى لمحاولتها اللهاث وراء مواقع التواصل وما يبث عليها لكسب الجمهور وتعظيم الانطباعات على صفحاتها الإلكترونية وتطبيقاتها. رغم أن الصحافة لا تغني أصلاً عن الكتاب، لكن حتى هذه تراجعت بشدة في منطقتنا.
يصعب النظر إلى هذا التغير الجذري على اعتباره عرضاً للتطور التكنولوجي، فلطالما طورت البشرية وسائل التوصيل وكان ذلك لخدمة الثقافة والمعرفة ولانتشارها على نطاق أوسع بين الجماهير. إنما ما نشهده الآن فهو تطور خطر جداً، ليس على مستقبل الثقافة والمعرفة وإنما على قدرات العقل البشري عموماً وتطوره واستخدامه الأمثل.
بغض النظر عن سطحية وتفاهة أغلب المحتوى على الإنترنت، خاصة البصري منه، فإن التلقي عبر الفيديو القصير السريع لا يسمح بتكوين معارف ذات قيمة. إنما هو إشباع سريع يزول أثره بسرعة تلقيه. وذلك هو الخطر الذي نقصده، فالقراءة حتى لو كانت لنص منشور إلكترونياً، تتيح للعقل أن يعمل كما ينبغي في محاولة الفهم والاستيعاب.
كنا من قبل نحذّر من أن أفلام هوليوود عن الحرب العالمية وغيرها من الوقائع التاريخية ليست وسيلة معرفة بالتاريخ، أولاً لأنها فن يعتمد الخيال أكثر من الحقيقة، وثانياً لأنها في أغلبها مغرضة تستهدف إظهار التاريخ من زاوية صناع الفيلم ومموليه. الآن، يتخلى البشر عن قدراتهم الذهنية و«تشغيل عقولهم» لصالح تطبيقات ومواقع التواصل وبرامج الذكاء الاصطناعي. بالطبع لست مع تفسيرات نظرية المؤامرة، وأن «الرأسمالية الرقمية» إنما تريد خلق نمط استهلاك جديد في سياق تطوير الرأسمالية نفسها ما بعد الرأسمالية المالية. إنما لا يمكن أيضاً فصل تراجع الثقافة والمعرفة، بمعناها الأوسع والأشمل الذي يعني استخدام العقل بتطور مستمر، عن سياق التغيير الذي يشهده العالم منذ ثمانينات القرن الماضي. لا يقتصر التغيير على الحديث عن نظام عالمي جديد ما بعد الحرب الباردة، سواء كان أحادي القطب بقوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة أم متعدد الأقطاب. فلم يكن التغيير سياسياً فحسب، وإنما شمل كافة مناحي حياة البشر اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ومعرفياً.
ليس من التعسف الربط بين التغيير الاقتصادي/ الاجتماعي والثقافة، فمسار انهيار الطبقة الوسطى في أغلب المجتمعات ليس عرضاً اجتماعياً فحسب. إنما هو نتيجة تغير اقتصادي بتركيز الثروة في العالم بأيدي حفنة من المليارديرات، وزيادة الفجوة بين من يملكون القدر الأكبر من الثروة العالمية والقطاع الأوسع من البشرية الذي يزداد انحداراً نحو الفقر. ولم يعد الترقي الاجتماعي مرتبطاً بالتعليم أو المعرفة والثقافة، إنما يحتاج إلى مهارات أخرى لتراكم الثروة ربما دون جهد كبير أو عمل منتج حقيقي. عززت الطفرات التكنولوجية ذلك التوجه، وساهمت إلى حد كبير في احتكار فئة قليلة للمليارات والتريليونات، حتى لو كانت نتيجة مضاربات وسمسرة وغيره. في الوقت ذاته لم يعد العمل يوفر للعاملين في مختلف المهن والوظائف إلا ما يكفي لتدبر تكاليف المعيشة وربما ادخار القليل لوقت التقاعد. ومع تسارع ذلك المنحى في السنوات الأخيرة شهدنا تدهوراً مستمراً في التعليم في أغلب الدول المتقدمة، فالثراء السريع «لا يحتاج شهادات» كما تروج الفيديوهات القصيرة على الإنترنت.

[email protected]