ستة ملايين زائر، رقم قياسي جديد في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أغلق أبوابه قبل أيام، والعالم العربي به ما يزيد على 15 معرضاً دولياً للكتاب سنوياً، في الشارقة، وأبوظبي، والرياض، والجزائر، وبغداد، وبيروت وغيرها، وبالرغم من هذا تكشف أرقام منظمة «اليونيسكو» ومؤسسة الفكر العربي عن أزمة ثقافية عميقة في التربة العربية، لن أذكر الأرقام فهي مخجلة، ومقارنتها بمثيلتها الأوروبية هو نوع من التعذيب المتعمد.
وإذا بحثنا لغوياً عن أصل «ثقافة»، سنجدها من الفعل «ثَقَفَ»، وهو يعني التهذيب والتقويم والتعليم، ثلاثة عناصر حاكمة لتصرفات الإنسان في حياته، التهذيب هو تحسين السلوك والأخلاق، التقويم عملية منهجية لجمع البيانات وتحليلها لإصدار حكم أو قرار بشأن موضوع ما، أي التشخيص والعلاج، والتعليم عملية منظمة لنقل المعرفة والمهارات والقيم وتنمية الفرد ليتمكن من مواكبة الحياة وتطوير ذاته والمجتمع.
إذن الثقافة ليست ترفاً عقلياً، هي ضرورة مثل الخبز والحرية، هي أداة الإنسان لترتيب أفكاره واتباع منهج وقيم يزاول بهما حياته ووجوده ويسعد نفسه ومواطنيه.
الثقافة ليست كتاباً على رف ولا قصيدة في ديوان، إنها رؤية للحياة، عدسة نطل بها على العالم، عقلنا الخاص الذي يترجم كل لحظة إلى قرار، فالإنسان في جوهره كائن يختار، ينتقي في كل دقيقة بين تفاصيل صغيرة، كاختياره لكلمة يقولها أو نظرة يوجهها، وفي تفاصيل كبيرة كمسار عمل أو موقف أخلاقي، وما يجعل هذه القرارات أقرب إلى الصحة هو أن تستند إلى معرفة، وأن تُصقل بالتجربة، وأن تُغذى بالذاكرة الجمعية التي نسميها عادات وتقاليد.
وإذا أخذنا أوروبا الحديثة تجربةً إنسانيةً في كيفية الخروج من تخلف القرون الوسطى إلى شمس التقدم، مع العلم أن غناها قد بُني أصلاً علي نهب ثروات الدول الضعيفة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، نجد أنها عملت على صناعة ثقافة مختلفة، حتى أن المفكرين والكتاب يصفون عصر النهضة بأنه حركة ثقافية راحت تنتقل من إيطاليا مع نهاية القرن الرابع عشر حتى انتشرت في كل أنحاء أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وشكلت تياراً رافضاً المناهج الفكرية القديمة والقيم المعنوية والاجتماعية والسياسية المسيطرة على تصرفات أهلها. أي كان مستحيلاً أن تطل أوروبا برأسها على العصر الحديث دون بناء ثقافة جديدة، أسست جزءاً مهماً منها على أفكار الحضارة الإسلامية التي تراجعت ومازالت تبحث عن «باب العودة».
[email protected]