من سمات الرواية في القرن الثامن عشر، خصوصاً في مرحلة نشأتها الأوروبية، اعتمادها شكل الرواية الرسائلية كأداة سردية، حيث تُبنى الرواية على نمط المراسلات المتبادلة بين شخصيات الرواية غالباً ما تكون غائبة عن بعضها، ولعل هذا الأسلوب يمنح الكاتب حرية في الجمع بين الدراما والتأمل في التناقضات الداخلية للشخصيات.
يتميز هذا الشكل الروائي بقدرته على تعدد الرؤى والأفكار، إذ يمنح كل شخصية طباعاً ومزاجاً خاصاً، مع خليط من التحيزات واللغة الخاصة بكل شخصية، مما ينتج للقارئ نسبية في البحث عن الحقيقة داخل النص نفسه، حيث تقدم له الرواية روايات متعددة تتقاطع وتتعارض، كما في «باميلا» لصموئيل ريتشاردسون، حيث تروي الخادمة باميلا قصتها عبر رسائلها إلى أهلها، وهو ما جعلها بحسب الدراسات أول رواية إنجليزية تجارية ناجحة، بيع منها آلاف النسخ في شهور قليلة.
هذا التنوع في تكنيك السرد يجعل الرواية الرسائلية وكأنها مسرحية داخل الرواية ذاتها، حيث تصبح الرسالة أداء للذات، تعبر عن أفكار مكبوتة أو أسرار لا يمكن قولها وجهاً لوجه، أو حتى مكاشفة ذاتية، لتظهر معها في الوقت ذاته ميزة مهمة جذبت إليها القارئ، وهي فكرة الحميمية باعتبار أن الرسائل من المعروف أنها تكتب لشخص، وغالباً تكون مشحونة بدفقة عاطفية، في ما يشبه الأسرار، من هنا يجد القارئ نفسه يغرق في شعور يشبه التجسس على الآخرين ومعرفة ما يخفون، ومن هذا وجدت الرواية الرسائلية جاذبيتها وجمهورها الفضولي الخاص.
فكرة الرسائل بحد ذاتها، تخلق شيئاً من الواقعية على أحداث الرواية، ومع ذلك، لم يكن هذا الشكل خالياً من مجازفة من قبل المؤلف، فالاعتماد الكلي أو بنسبة كبيرة على الرسائل لتكون جوهر الحبكة، قد يعرض النص لخطر الرتابة أو الإفراط في التفاصيل اليومية، والذي بدوره قد ينفر منها بعض القراء.
على كل حال يبدو أن الكتاب يحجمون منذ فترة طويلة عن إصدار رواية تنتمي لهذا الفن السردي، خصوصاً مع اختفاء المغلفات وصناديق البريد التقليدية، وتحولنا إلى المراسلات الإلكترونية، ولا أعلم كيف يمكن بناء رواية بناء على محادثات على «جيميل» أو حتى عبر تطبيق «واتساب»، لكن المراهنة في هذا الشكل الأدبي تبقى على فضول القارئ ورغبته في الغوص لاستكشاف الأسرار، ومن هنا يمكن بناء حبكة درامية متقنة بتوظيف أدوات العصر.
ثمة زمن جميل كانت فيه الرسائل، تحمل معها ما يختزنه الإنسان من مشاعر وأسرار وحكايات، يخرجها من صندوق الصدر، يودعها في علبة من الصفيح ويوقعها ب«مع محبتي وأشواقي».
القارئ الفضولي
10 فبراير 2026 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 فبراير 00:03 2026
شارك