وصف بعض المحللين في الأسواق والمعلقين الاقتصاديين، موجة الانهيار الحالية في سوق العملات المشفرة بأنها «فقدت فورة ترامب». ومنذ أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي، فقدت العملة المشفرة الأكبر والأهم (بيتكوين)، نحو نصف قيمتها. كانت المشفرات والأصول الرقمية تلقت دعماً كبيراً منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي.
إذ تعهد ترامب بأن يجعل «أمريكا عاصمة المشفرات»، بل إن عائلته دخلت بقوة في القطاع، حتى أصدرت إحدى شركاتها عملة مشفرة جديدة.
لكن تلك الفورة، ما لبثت أن تبخرت بعد نحو عام فقط من حكم إدارة ترامب. لم يقتصر الأمر على سوق المشفرات الذي تبخرت قيمة أمواله والمقدرة بنحو تريليوني دولار.
ومنذ الشهور الأخيرة، يتركز حديث المستثمرين والمحللين على «مخاطر فقاعة» الذكاء الاصطناعي. ورغم استمرار ضخ مئات مليارات الدولارات في القطاع الصاعد، إلا أن ثقة السوق في أنه يمكن أن يحقق العائدات المرجوة منه تتراجع باضطراد.
حتى سلاح العقوبات، وفرض التعريفة الجمركية الذي يهدد به ترامب منذ مطلع العام الماضي، بدأ يفقد تأثيره القوي في علاقة أمريكا مع الشركاء والمنافسين على السواء.
وأخذ كثيرون في الاعتبار أن الرئيس ترامب يسارع بتهديد قوي، ثم يبدأ في التراجع، مثلما حدث مطلع إبريل/نيسان الماضي، حين أعلن فرض تعريفة جمركية على كل شركاء أمريكا التجاريين، وما إن انهار السوق حتى تراجع في غضون أيام وأجّل القرار ثلاثة أشهر.
وتعلم كثيرون من موقف الصين، التي لم تخضع للتهديد تماماً، وفرضت إجراءات انتقامية، أدت إلى تفاوض والوصول إلى صفقات خفضت التعريفة الجمركية المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم.
يبدو أن نهاية فورة ترامب لا تقتصر على الاقتصاد، رغم أهمية السياسات الاقتصادية للإدارة الأمريكية، وتأثيرها ليس على الولايات المتحدة فقط، إنما على العالم كله تقريباً. ففي السياسة أيضاً، بدأت تخبو قدرة الرئيس الأمريكي على أن «يفعل ما يريد» تحت الضغط والتهديد.
فرغم حصار فنزويلا ثم التدخل العسكري المباشر لاختطاف رئيسها ونقله إلى أمريكا، إلا أن رد الفعل العالمي، خاصة من حلفاء واشنطن، أفرغ تلك الخطوة من هدفها، وهو «إرهاب» بقية العالم بأن «من لا يسمع الكلام سنفعل به مثلما فعلنا بمادورو».
أمام تصريحات ترامب السابقة بأنه يريد السيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وجدت الدول الأوروبية نفسها أمام تطور لا يمكن معه «استرضاء ترامب». وإذا كان الاتحاد الأوروبي تعامل بروية في قضية التعريفة الجمركية، وقدم تنازلات للحفاظ على أكبر تجارة عبر الأطلسي، إلا أنه في مسألة التجاوز بشأن السيادة وترسيخ مبدأ فرض الأمر الواقع بالقوة لم يكن مستعداً للخضوع أكثر من ذلك.
إنما الموقف الأوضح الذي يشير إلى نهاية فورة ترامب السياسية في العلاقات الدولية، فهو موقف كندا، التي زار رئيس وزرائها مارك كارني الصين الشهر الماضي واتفق مع رئيسها تشي جين بينغ على تعاون اقتصادي وتجاري واسع. ثم بنهاية الشهر ألقى كلمة تاريخية أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، كانت بمثابة موقف غربي من فورة ترامب تلك.
أما حديث الرئيس الأمريكي المتكرر عن إنجازاته بوقف الحروب حول العالم، وتحقيق السلام، فهو في أغلبه «ضجيج بلا طحن»، فأغلب تلك الصراعات ما زالت ناراً تحت الرماد، ليس أقلها ما بين الهند وباكستان، وإن كان أشدها الحرب على غزة التي لم تنته رغم إعلان ترامب نهايتها.
أما حرب أوكرانيا فما زالت ساحة شد وجذب بين واشنطن وأوروبا من ناحية، بشأن العلاقات مع روسيا، وإمكانية منح موسكو ما تريد في أوكرانيا.
إن الاختبار الأهم لفورة ترامب، واستمرارها أو نهايتها، سيكون في منطقتنا، عبر ما يوصف بأنه «إعادة تشكيل الشرق الأوسط». قد لا يكون ترامب مهتماً بذلك تماماً، لكن الحليف الإسرائيلي معني بذلك بشدة، ويحتاج إلى دعم وانخراط أمريكي قوي فيه. وبما أن ترامب يتفادى «الانخراط»، فقد تكون نهاية فورة ترامب في هذه المنطقة.
[email protected]
نهاية «فورة ترامب»
11 فبراير 2026 00:20 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 فبراير 00:20 2026
شارك