تتجاوز القرارات والإجراءات الإسرائيلية التي أُفصح عنها، مؤخراً، وهي الأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، مسألة التوسع الاستيطاني أو تسريع خطوات الضم، إلى إعادة صياغة الواقع القانوني والإداري في الضفة ونسف قرارات الشرعية الدولية وكل الاتفاقيات الموقعة سابقاً، وذلك استكمالاً لحرب الإبادة في قطاع غزة ووضع الشعب الفلسطيني بكليته أمام تهديد وجودي.
تفترض هذه الخطوات أن نعول كثيراً على القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، كمرجعية أساسية للحقوق التاريخية المشروعة للفلسطينيين في أرضهم ووطنهم، وللتحركات السياسية في مواجهة حرب الإلغاء الإسرائيلية للشعب الفلسطيني.
لكن إسرائيل، التي لطالما اعتبرت نفسها فوق القانون، ولم تنفذ يوماً قراراً واحداً من قرارات الشرعية الدولية، قامت عملياً، في جلسة واحدة لمجلس وزرائها الأمني المصغر، بإلغاء كل هذه القوانين والقرارات، من دون إعلان رسمي، ومعها كل الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية وفي مقدمتها اتفاق أوسلو عام 1993 واتفاق الخليل عام 1997. وقررت بدلاً من ذلك فرض القانون الإسرائيلي لتغيير الوضع القائم بالقوة في الضفة الغربية، على نحو جذري، لإلغاء صفة الاحتلال عن الأراضي المحتلة، وتكريس مقولة «أرض إسرائيل التاريخية»، في إطار محاولاتها المستمرة لشطب الشعب الفلسطيني نفسه من معادلة الصراع.
في الأبعاد المباشرة لهذه القرارات، تستهدف إسرائيل حشر الفلسطينيين في معازل ضمن تجمعاتهم الحضرية في القرى والمدن، والاستيلاء على كل الأراضي الفلسطينية خارج هذه التجمعات، وإطلاق عجلة الاستيطان بوتائر متسارعة ومن دون قيود، بعد نشر سجلات الأراضي في الضفة الغربية، وإلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي للأجانب، كما لو أن الضفة تحولت إلى سوق عقارات للمستوطنين. وحتى داخل المدن والتجمعات الفلسطينية، تمنح هذه القرارات إسرائيل حرية الحركة بعدما ألغت تصنيفات أوسلو المناطقية (أ وب وج) حيث بات بإمكان جيش الاحتلال الدخول إلى عمق مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية والقيام بعمليات هدم منازل، والاستيلاء على مواقع أثرية أو تاريخية أو دينية، كما هو الحال في مدينة الخليل أو مسجد بلال قرب بيت لحم أو قبر يوسف في نابلس. وربما تشكل الخليل حالة خاصة، بعد سحب صلاحيات بلديتها الإدارية وتحويل إدارة الحرم الإبراهيمي للإدارة المدنية التابعة للاحتلال، رغم أن الخليل تحظى ببروتوكول خاص وقع عام 1967 إثر رفض إسرائيل الانسحاب منها أسوة بباقي المدن الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو. وبالتالي فإن ما تذهب إليه هذه القرارات، ليس فقط قطع الطريق على «حل الدولتين» و«دفن دولة فلسطين»، كما يقول سموتريتش، وإنما يمهد لإعلان دولة المستوطنين لاحقاً، وتهجير ما تبقى من الفلسطينيين في إطار حرب الإلغاء تلك.
وهنا مكمن الخطورة الذي بات يحتاج إلى حراك جدي وحقيقي لوقف الاستئساد الإسرائيلي، والعمل على استعادة حقوق الفلسطينيين المشروعة في أرضهم ووطنهم.
[email protected]