إن أهم ما يميز العصر الذي نعيش فيه، صعود الجماهير الغفيرة، ولا يعني ذلك الزيادة السكانية العالمية المنفلتة من عقالها، والتي لم يعرفها التاريخ قبل ذلك، ولكن الأهم يتمثل في صعود ثقافة تلك الجماهير على المستويات كافة، الأمر الذي يتطلب وجود تحليلات جادة، ومتتابعة لما يحدث من متغيرات. فهذه الجماهير شكلت مجتمعات جديدة كل الجدة، تختلف في آلياتها وأساليب صراعها وطرائق تكوينها عن المجتمعات التي درسها المنظّرون سابقاً.
عندما تقرأ ماركس، أو أوغست كونت، أو ماكس فيبر، أو إميل دوركايم، أو حتى ابن خلدون، هناك مجتمع واضح الملامح، طبقاته ظاهرة ذات سمات محددة، يتغير فيه الوضع الطبقي، نتيجة لشروط عديدة، ربما تكون سياسية أو ثقافية أو حتى صراعية عنيفة أو انتقالية هادئة.
الآن، لا يمكننا أن نطبق أي من تلك الرؤى على المجتمعات المعاصرة، هي ملتبسة، ولذلك تجلياته ونتائجه العديدة، فالأدب مثلاً، وهو صورة المجتمع، ملتبس بدوره، لا سمة واضحة تميزه، أو تيار عام يحدده، عندما كتب نجيب محفوظ في الواقعية، كانت الطبقات، بتحولاتها وتقلباتها وصراعاتها، معروفة يمكن قراءتها بسهولة، هذا لا يتعلق بالوضع الطبقي وحسب، ولكن بالأمكنة أيضاً، والتي كانت مرئية وكأنها مرسومة بريشة فنان، المدينة بادية للعيان، والريف معروف الأبعاد...إلخ، اليوم هناك صعوبة في تمييز أماكن كثيرة، وتصنيفها بين ريف ومدينة، كانت الروح واحدة وعامة سواء على مستوى المجتمع أو المكان، أو حتى العصر بأفكاره المتعددة.
نحن نعيش الآن ثقافة الالتباس الاجتماعي، التي زادها الواقع الافتراضي غموضاً، فالكل يتخفى خلف حسابات، والكل يعبّر عن مشاعره وآرائه بأيقونات، قد تختلف مع أحاسيسه وقناعاته الحقيقية، والكل يمارس ثقافة التعليق، إما بإعجاب، وإما بتعليق عابر لا يتجاوز كلمات قليلة، بمعنى أن الذات الأصيلة الصلبة التي تعلن عن نفسها بقوة، باتت على وشك الاختفاء، فالالتباس أو التميع بات قانوناً لا ينطبق على المجتمع بشرائحه الواسعة وحسب، ولكنه يمتد إلى روح الفرد وهنا الخطورة.
ثقافة الالتباس أو التميع تلك، أصابت عملية الفرز في مقتل، فمجتمعاتنا توقفت عن فرز الجيد من الرديء، بات كل شيء مقبولاً وكل شيء ممكناً، وافتقدنا القواعد الصلبة، التي يمكن من خلالها أن نكّون أفكاراً حقيقية عن العالم والوجود من حولنا.
لم يعد لدينا «فلتر» من خلاله نقوم بعملية انتقاء اجتماعي، طبيعي، للأفضل، ففقدنا القدرة على صناعة المرجعيات والرموز، وتوقفنا عن تمثل «الأصول»، وعندما يواجهنا موقف أو تعترضنا فكرة أو يتحدث إلينا شخص أو نقابل مشكلة، كثيراً ما نتوتر ولا نعرف تقديم الحلول والأجوبة، فليس لدينا النموذج الذي نعود إليه، يكتب الكثير من الشباب اليوم: كتب وأدب، ولكنهم لا يستطيعون تقييم ما يكتبونه، فليس هناك النموذج الراهن الذي يتطلعون إليه، ورويداً رويداً يفقدون إيمانهم بأهمية هذا النموذج، وحتى لو كان هناك بعض الجيد في هذا الإنتاج، فإنه لا يلبث أن يتراجع تحت ثقل السيئ، فيسود التافه والهامشي، ويصاب العقل ببرودة والروح بلامبالاة.