منذ تسلمه رئاسة الولايات المتحدة في ولايته الأولى، وبعد توليه الولاية الثانية بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عجلة من أمره، لتنفيذ أجندات كثيرة ومتشابكة، لكن رغم اختلافاتها الظاهرية، إلا أن جامعها كان الطابع التجاري، أو بمعنى آخر السعي للهيمنة الاقتصادية، واستنزاف ثروات العالم لخدمة المصالح الأمريكية، كرجل صفقات عقارية واستثمارات مالية.
وعلى الرغم من أنه يقدم نفسه على أنه يملك مشروعاً سياسياً متكاملاً، إلا أن من يتابع القرارات التي اتخذها والأهداف المعلنة لها، يلاحظ أن هذه القرارات تنم عن عقلية مغامرة، حيث ينظر الرئيس الأمريكي إلى العالم، باعتباره شركة عقارية أو مشروع تجاري يديره ليس إلا، وأن النجاح والفشل في سياسته يحدده مدى الربح أو الخسارة المادية.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية الحالية، تقدم رؤية لمشروعها السياسي لخصته الوثيقة التي نشرت في أواخر العام الماضي، تحت عنوان الاستراتيجية الأمريكية للأمن القومي، حول رؤية إدارة ترامب للولايات المتحدة والعالم، والتي تضمنت انتقادات لاستراتيجيات الإدارات السابقة منذ نهاية الحرب الباردة، وما أسمته الوثيقة «ضرورة الرئيس ترامب» التصحيحية لما ينبغي أن تكون عليه الاستراتيجية، على الرغم من ذلك نرى أن هذه الرؤية لا تختلف كثيراً عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة، والتي كان هدفها على الدوام المحافظة على الهيمنة الأمريكية على العالم، ونهب خيرات الشعوب، لكن ربما يكون الفارق الوحيد بين إدارة ترامب وما سبقها من الإدارات الأمريكية، هو أنها أكثر غرائبية، فالإدارات السابقة كانت تلجأ إلى شعارات ومبررات، تحمل طابعاً أخلاقياً أوسياسياً، وإن كان مضللاً لتنفيذ أجنداتها، في حين يقدم الرئيس الأمريكي وإدارته الحالية نموذجاً يكاد يكون الأغرب في التاريخ المعاصر، ولا سيما في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور ما سمي بالقانون الدولي، وتكوين منظمة الأمم المتحدة التي أنيط بها العمل على حفظ الأمن والسلام الدوليين.
فهذه الإدارة يبدو أنها لم تعد حتى معنية بتقديم مبررات لسياساتها تجاه الدول والشعوب الأخرى، وإنما تقدم نموذجاً حياً لاستعراض القوة فقط من أجل تنفيذ أجنداتها في العالم، الذي لا ترى فيه إلا ساحة لصفقات عقارية واقتصادية مدعومة بما يمكن تسميته بقوانين ترامب.
فعلى سبيل المثال أعلن الرئيس الأمريكي بمناسبة الاحتفال بما يسمى «عيد الأنوار» اليهودي (حانوكا) في أواخر العام الماضي، أنه وقّع على قرار منح إسرائيل «حقوق السيادة» على هضبة الجولان السورية المحتلة، ثم اكتشف أن قيمتها تساوي تريليونات الدولارات، وأنه ربما كان يجب أن يطلب ثمناً مقابل ذلك.! وكأن أراضي الدول الأخرى ليست سوى عقارات تملكها بلاده، تبيعها أو تمنحها لمن تشاء، علماً بأن مياه الجولان تمثل نحو 14% من مخزون المياه السوري، ناهيك عما تمتلكه هضبة الجولان من ثروات طبيعية أخرى.
أما آخر ما تفتق عنه الذهن الاستعماري لدونالد ترامب فهو تصريحاته الأخيرة بشأن جزيرة غرينلاند، حيث أعلن أن وصول الدنماركيين بسفينة إلى الجزيرة قبل 500 عام لا يعني أنهم يملكون هذا الإقليم، على حد تعبيره.
ولعل هذا التصريح تحديداً يثير تساؤلاً كبيراً، وهو أنه إذا كان الرئيس الأمريكي يعتبر أن قدوم الدنماركيين إلى غرينلاند قبل 500 عام لا يمنحهم الأحقية بها، فهل يمنح الإسرائيليين الحق في فلسطين التي قدموا إليها على شكل عصابات مدعومة من القوى الغربية الاستعمارية قبل 100 عام فقط؟!
الرئيس الأمريكي وإدارته الجديدة لا يقدمان للعالم مشاريع سياسية، وإنما يقدمان نموذجاً واضحاً لشريعة وقوانين الغاب.
أخيراً يمكن القول إنه رغم قوة الولايات المتحدة الكبيرة، فإنها لا تستطيع تغيير حقائق التاريخ، وهو أن القوة وحدها لا تكفي لفرض السيطرة، وأن منطق القوة وإن ساد مؤقتاً، لا يمكن أن يتغلب على قوة المنطق.
قانون ترامب.. ومشاريعه التجارية
13 فبراير 2026 00:43 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 فبراير 00:43 2026
شارك