وبمناسبة ذكر جلال الدين الرومي، الذي زرت مرقده في قونية عدة مرات، ليس لأنني ممن يقدسون الأضرحة، ولكن لأنني أتلمس فهم واستيعاب ما تركه جلال الدين وابن عربي والجنيد والسقطي والرفاعي والشاذلي وغيرهم، من أدب وحكمة ودلالات روحية مطوية في نثرهم وشعرهم وسلوكهم وذوقهم؛ حيث توجد عند الإنسان ذائقة إيمانية بها يعرف كُنه المضمر في الكون من آيات ربانية عظيمة.
بمناسبة ذكره، أتذكر حكاية المريد الذي ذهب إلى جلال الدين، وطلب منه أن يدله على سبيل معرفة اسم الله الأعظم الذي لو أقسم به المؤمن على الله لأبره، فما كان من جلال الدين إلا أن طلب من الرجل أن يذهب إلى داره ليغتسل ويتطهر ويتوضأ، وبعدها يتجه للمسجد ليصلي الفروض ويتنفل ويسبح لسبعة أيام.
وسمع الرجل النصيحة ونفذها، وبعد اليوم السابع عاد إلى شيخه جلال الدين والحسرة تملأ قسماته، وقال: «لم أعرف ما طلبته ولم أرزق باسم الله الأعظم»!
ورد جلال الدين: «هــل فعلت مـــا طلبـــتـــه مــنـــك بـــحــذافيره؟»، فأجاب: «نعم»، فسأله الرومي: «وأنت في المسجد.. أين وضعت نعلك؟»، فأجاب الرجل: «وضعته أمام ناظريّ حتى لا يتسلل لص فيسرقه!»، وجاء رد جلال الدين: «لو كان حرصك على معرفة اسم الله الأعظم بقدر حرصك على متاعك لتحققت لك المعرفة».
وكلما شاهدت متكالباً على المتاع الزائل، ليصبح المال والاقتناء والثراء والجاه هو كل همه، ثم يشكو من أنه لا يشعر بالرضا ولا بمردود لعباداته، رغم أنه يؤديها، تذكرت تلك الحكاية، وعرفت أن بين البشر من منتهى همته هو «النعل».
ثم إنني أتردد على ما كتبه الرومي على لسان الناي؛ إذ يقول جلال الدين: استمع إلى هذا الناي يأخذ في الشكاية، ومن الفرقات يمضي في الحكاية:
منذ أن كان من الغاب اقتلاعي
ضج الرجال والنساء في صوت التياعي
أبتغي صدراً يمزقه الفراق
كي أبث شـرح آلام الاشتيـاق
*****
ولنا مع الناي تكملة.
آخر الكلام
النعل
14 فبراير 2026 00:53 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 فبراير 00:53 2026
شارك