كانت الإضبارة (الإكلاسير) على سطح المكتب وعليها: «سري للغاية.. رئاسة الجمهورية.. ملف قناة السويس»، فسألته: لماذا يوجد هذا الملف عند حضرتك؟ وأجاب من فوره: «كان الرئيس عبد الناصر قد أصدر تعليمات بأن ترسل لي بعض وثائق الدولة».

ثم استطرد بسؤال لي: «هل تعرف خط الرئيس عبد الناصر»؟ فقلت: «نعم بزواياه الحادة»، فتعجب وسأل: «يعني إيه»؟ فقلت: «كنا نرسل خطابات ونحن طلاب في الثانوي نطلب صورة له، فيأتينا رد موقّع من حسن صبري الخولي، ممثله الشخصي، وفيه شكر، ومرفق به صورة عليها توقيع الرئيس تظهر به زوايا حادة لبعض الحروف».

ثم فتح الإضبارة على صفحات تضم مذكرة من 16 صفحة، كتبها الرئيس بخط يده وبالقلم الرصاص، وذيّلها بتوجيه مكتوب فيه: «علي صبري.. للقراءة والتعليق»، ثم تعليق علي صبري مكتوب على صفحتين بالقلم الحبر.

كان ذلك في عام 1976، أي منذ خمسين عاماً، وكنت أتردد على مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل، رحمة الله عليه، ليستقبلني في لقاءات دورية متقاربة، وكان يستعد لإصدار كتاب عن أزمة قناة السويس بمناسبة مرور عشرين عاماً عليها، ولذلك كان يستعين بذلك الملف الحاوي لوثائق رسمية، وصدر الكتاب بعنوان «عشرون عاماً على السويس»، وأهداه لي وطلب رأيي.

وبعد أن قرأت، ذهبت وقلت إن عندي ملاحظتين، الأولى أنه اجتزأ الوثائق ولم يتعامل معها بشكل علمي؛ لأنه نشر ما كتبه الرئيس وحذف تعليق علي صبري، وقد تعلمت أن الوثيقة لا تتجزأ ولا تُنتقص. أما الثانية، فهي أنه اقتبس وصفي لخط الرئيس عبد الناصر، دون أن يشير لأنني صاحب الوصف، إذ كتب: «وأمامي مذكرة بخط الرئيس عبد الناصر المشهور بزواياه الحادة»، وأنا أريد حقي.

ضحك ضحكة عالية، وأمر سكرتيره منير بأن يعطيني جنيهاً، ثم دخلنا في حوار جاد حول التعامل مع الوثائق، إذ قال هو إنه حذف تعليق علي صبري لأن تركيزه على الرئيس، وأنه رأى أنه لا لزوم لآخرين!

ورددت بذكر قواعد مناهج البحث، ثم أردفت بعبارة أثارت استياءه، إذ قلت: إنك حذفته لأنك لا تحبّه وأسهمت في الزجّ به إلى السجن، وربما تمنيت أن لو كان توجيه الرئيس: هيكل للقراءة والتعليق، بدلاً عن علي صبري؟

وتعلمت أن أدقق فيما أقرأه من مؤلفات تضم وثائق.