أقدمت إسرائيل على خطوة، تحمل في طياتها محاولة حاسمة، لإعادة تشكيل مستقبل الصراع في الضفة الغربية، وضرب ما تبقى من حلم فلسطيني، عمره أكثر من مئة عام في إقامة دولة مستقلة.
القرار لا يقتصر على إجراء إداري أو تعديل قانوني عابر، بل يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة، ويضع الفلسطينيين أمام تحد وجودي، ليس في فقدان الأرض فقط، بل في تهديد جوهر مشروعهم الوطني، وهو تأسيس دولة قابلة للحياة على ما تبقى من أراضيهم. هذه الخطوة تمثل مرحلة جديدة من التحكم في مسار القضية الفلسطينية، وإعادة صياغة الواقع على الأرض بطريقة تدريجية ومدروسة.
إلغاء لوائح عمرها عقود، كانت تمنع المستوطنين من شراء الأراضي في الضفة، خصوصاً في مناطق (أ) و(ب)، ليس تفصيلاً شكلياً، بل يفتح باباً طويل المدى لتغيير ديمغرافي وقانوني تدريجي في قلب المناطق التي يفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية. رفع السرية عن سجلات الأراضي، وتسهيل عمليات البيع للمستوطنين، يحوّل الملكية إلى أداة سياسية لفرض واقع جديد، بما يمهد لتوسع استيطاني واسع من دون إعلان رسمي، ويقلص بشكل كبير هامش الحركة السياسي المتبقي للفلسطينيين، ويضع الدولة المستقبلية المفترضة على المحك.
ولم تقتصر الإجراءات على الملكية فقط، بل شملت نقل صلاحيات ترخيص البناء والإشراف على مواقع حساسة مثل الخليل، والمواقع الدينية من البلديات الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وتوسيع نطاق الإشراف البيئي والأثري، وهذا كله يضعف جوهر السيادة الفلسطينية، ويقوض قدرة السلطة على ممارسة أي نفوذ عملي على الأرض.
فهذه الخطوات ليست شكلية، بل تمثل جزءاً من مسار الضم، حيث يمكن للقوانين والقرارات المتراكمة، فرض أمر واقع لا رجعة عنه، وتخلق وضعاً يصعب تغييره على المدى الطويل، وتضيق هامش الدولة الفلسطينية الممكنة، وتضع حل الدولتين، في موضع شبه مستحيل، بينما تثبت إسرائيل وجودها في عمق الأراضي المحتلة بطريقة تدريجية وهادئة.
ومع ذلك، فإن المعادلة ليست محسومة، فالشعب الفلسطيني عصي على الاقتلاع، وقد أثبت التاريخ ذلك، فقد تمسك بأرضه رغم الحروب والحصار وكل محاولات الطمس، وهو ما يجعل أي محاولة لتغيير الواقع على الأرض أكثر صعوبة. وبين إرادة الاحتلال وبين صمود الفلسطينيين، يبقى الصراع مفتوحاً على كل الاحتمالات، والضفة الغربية أمام مرحلة جديدة من تثبيت الوقائع، لكنها ليست النهاية، بل بداية فصل آخر في سجل الصراع الطويل، لا يزال الفلسطينيون فيه حاضرون بقوة، رغم كل التحديات.
وأمام هذه المحاولات فإن الحضور العربي المكثف، أصبح أكثر ضرورة، لإحباط أحلام إسرائيل باقتلاع شعب من أرضه.
خطر ضم الضفة
14 فبراير 2026 00:32 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 فبراير 00:32 2026
شارك