علي قباجة
منذ اللحظة التي عبرت فيها الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022، لم تعد النقاشات داخل أروقة حلف «الناتو» ترفاً فكرياً، بل تحولت إلى استنفار يطرح السؤال الأصعب، هل يواجه الحلف خطر الزوال كما يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أم أنه يمر بمرحلة إعادة ولادة قيصرية؟
الواقع يقول إن الحلف اليوم يقف بين مطرقة الطموحات الروسية التي لا يبدو أنها ستقف عند حدود كييف وفق الكثير من القادة الأوروبيين، وسندان الضغوط الأمريكية المتزايدة التي سئمت من لعب دور «الممول الأكبر» لأمن القارة العجوز، وهي فجوة استراتيجية يحاول الكرملين استغلالها بكل طاقته لإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.
التحدي الأبرز الذي يواجه «الناتو» ليس عسكرياً فحسب، بل هو تحدي «الإرادة السياسية» والتجانس الداخلي، فبينما تحذر أجهزة الاستخبارات ومسؤولون مثل مارك روته من هجوم روسي محتمل على دول الحلف خلال سنوات قليلة، تبرز أصوات من داخل البيت الأوروبي، كصوت رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، تدعو إلى «واقعية سياسية» يراها الكثيرون استسلامية، عبر تحويل أوكرانيا إلى منطقة عازلة والاعتراف بقوة روسيا كأمر واقع.
هذا الانقسام في الرؤى يغذي البروباغندا الروسية التي تراهن على تآكل وحدة الصف الغربي مع مرور الوقت واستنزاف المخازن العسكرية، ما يجعل موسكو تترقب اللحظة التي ينهار فيها هذا «الإجماع الهش» تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والداخلية في دول القارة.
وعلى الجانب الآخر من المحيط، لم يعد التذمر الأمريكي من ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي مجرد «عتاب حلفاء»، بل صار تهديداً صريحاً لتماسك الحلف، فواشنطن، التي تنظر بعين الريبة لصعود قوى دولية جديدة في آسيا، لم تعد مستعدة لحمل عبء الأمن الأوروبي وحدها، بينما تكتفي دول القارة بوعود لرفع ميزانياتها الدفاعية إلى 5% من ناتجها المحلي. هذا الضغط دفع أوروبا لبدء أكبر حملة تسلح منذ عقود، لكن بناء الجيوش وتحديث العقائد العسكرية لمواجهة حروب «المسيرات» والحروب السيبرانية يحتاج لسنوات، وهو وقت قد لا يمنحه بوتين لخصومه الذين يصارعون لتأمين إمداداتهم الدفاعية المنهكة.
إن ما تسعى إليه روسيا اليوم يتجاوز مجرد نصر عسكري في الميدان الأوكراني، فهي تحاول فرض «هيكل أمني» جديد ينهي هيمنة القطب الواحد ويمحو أثر «الناتو» في الشرق، مستندة إلى تحالفات صاعدة مثل منظمة شنغهاي و«بريكس»، وبالتحالف مع الصين.
وفي ظل هذا الصراع، تجد الدول الأوروبية نفسها في سباق مع الزمن، فإما أن تثبت للكرملين أن لديها الإرادة والقدرة على الدفاع عن كل شبر من أراضيها، أو أن نبوءة لافروف حول «زوال المنظمات الغربية» قد تجد طريقها للتحقق إذا استمر الشرخ في الاتساع بين ضفتي الأطلسي، وبين العواصم الأوروبية ذاتها.
الحقيقة المرة هي أن السلاح وحده لن يحمي أوروبا، بل الإيمان الصادق بأن ثمن الوحدة اليوم، مهما غلا، يبقى أرخص بكثير من ثمن المواجهة الشاملة غداً.